هل الثبات على المبدأ فضيلة دائمًا؟

 إنه بسم  الله الرحمن الرحيم وبعد :



(الفصل الأول)

هل الثبات على المبدأ فضيلة دائمًا؟

من أكثر الصفات التي امتدحها الإنسان عبر تاريخه صفةُ الثبات على المبدأ. فقد اعتُبر الإنسان المبدئي رمزًا للنزاهة، وعنوانًا للصدق، ودليلًا على قوة الشخصية. وفي المقابل، نُظر إلى من يغيّر مواقفه بعين الريبة، وكثيرًا ما وُصف بالمنافق، أو الانتهازي، أو المتلون.

ولذلك نشأنا ونحن نسمع عبارات من قبيل: "تمسّك بمبادئك مهما كان الثمن"، و*"لا تتنازل عن قناعاتك"*، حتى بدا وكأن الثبات فضيلةٌ مطلقة لا تقبل الاستثناء.

لكن...

هل يكفي أن يثبت الإنسان على شيء حتى يصبح ذلك الشيء فضيلة؟

أم أن قيمة الثبات لا تُقاس بقدرته على المقاومة، بل بقيمة المبدأ الذي يتمسك به؟

إن التاريخ مليء بأشخاص ثبتوا على أفكارهم حتى النهاية، لكن التاريخ نفسه لم يضعهم جميعًا في المكانة ذاتها. فمنهم من خلدهم لأنهم دافعوا عن العدل والحرية والكرامة، ومنهم من لعنهم لأنهم تمسكوا بالظلم والتعصب والكراهية حتى آخر لحظة.

وهنا تتكشف حقيقة يغفل عنها كثير من الناس:

الثبات، في ذاته، ليس فضيلة ولا رذيلة. إنه أداة، أما قيمته فتنبع من المبدأ الذي يخدمه.

فالصخرة ثابتة، لكنها ليست حكيمة.

والشجرة ثابتة في مكانها، لكنها لا تختار ثباتها.

أما الإنسان، فإن قيمة ثباته لا تظهر إلا عندما يكون قادرًا على المراجعة، ثم يختار الاستمرار لأنه وجد الحق، لا لأنه يخشى الاعتراف بالخطأ.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس:

هل ثبتَّ على مبدئك؟

بل:

على أي مبدأ ثبتَّ؟ ولماذا؟

إن الإنسان قد يتمسك بفكرة لأنها عادلة، وقد يتمسك بها لأنها ورثها عن آبائه، أو لأنها تمنحه شعورًا بالتفوق، أو لأنها تخدم مصلحته. ومن الخارج تبدو جميع هذه المواقف متشابهة، لكنها في حقيقتها مختلفة تمامًا.

ولهذا لا يكون الثبات دليلًا على قوة الشخصية دائمًا، فقد يكون أحيانًا دليلًا على الخوف من التغيير، أو العجز عن الاعتراف بالخطأ، أو التعلق بصورة رسمها الإنسان لنفسه، حتى أصبحت أغلى عنده من الحقيقة.

ومن هنا يبدأ سؤال فلسفي رافق البشرية منذ قرون:

هل الفضيلة أن نبقى أوفياء لمبادئنا مهما تغيرت الظروف، أم أن الفضيلة الحقيقية هي أن نمتلك الشجاعة لمراجعة تلك المبادئ إذا اكتشفنا أنها لم تعد تقود إلى الحق؟

ذلك هو السؤال الذي يستحق أن نتأمله، لأن الفرق بين الحكمة والعناد، قد يكون أحيانًا أدق مما نظن.



ما الفرق بين المبدأ... والرأي... والقناعة؟

من أكبر الأخطاء التي يقع فيها الإنسان أن يضع كل ما يؤمن به في منزلة واحدة، فيتعامل مع رأيه كما لو كان مبدأً، ومع عادته كما لو كانت حقيقة، ومع قناعته الشخصية كما لو كانت قانونًا أخلاقيًا لا يجوز الاقتراب منه.

وهنا يبدأ الخلط.

فليس كل ما ندافع عنه مبدأ، وليس كل ما نرفض تغييره دليلًا على قوة الشخصية.

إن الرأي هو موقف يتكون من المعرفة والخبرة، ولذلك فهو قابل للتعديل كلما ظهرت أدلة جديدة أو اتسعت دائرة الفهم. بل إن الإنسان الذي لا يغير رأيًا ثبت خطؤه، لا يُعد ثابتًا، وإنما يرفض التعلم.

أما القناعة، فهي أعمق من الرأي؛ لأنها تمتزج بتجارب الإنسان ومشاعره، ولذلك يصعب تغييرها بسرعة. لكنها، مع ذلك، ليست معصومة من المراجعة، لأن التجارب الجديدة قد تكشف للإنسان أن ما كان يراه يقينًا لم يكن سوى فهم ناقص.

أما المبدأ، فهو شيء مختلف تمامًا.

إنه القيمة التي تحكم سلوك الإنسان حتى عندما تتعارض مع مصلحته.

فالعدل مبدأ.

والصدق مبدأ.

والأمانة مبدأ.

واحترام كرامة الإنسان مبدأ.

هذه ليست آراء تتغير بتغير الأهواء، وإنما قيم أخلاقية يُقاس بها السلوك، لا العكس.

ولهذا فإن الإنسان قد يغيّر رأيه في الاقتصاد، أو السياسة، أو أساليب التربية، دون أن يكون قد تخلى عن مبادئه.

بل قد يكون تغيير الرأي دليلًا على إخلاصه للمبدأ، لأنه اختار الحقيقة بدلًا من التمسك بما اعتاده.


متى يتحول الثبات إلى عناد؟

هناك لحظة دقيقة يصعب على كثير من الناس ملاحظتها.

في البداية يتمسك الإنسان بالمبدأ لأنه يؤمن به.

ثم، مع مرور الزمن، يبدأ بالدفاع عنه لأنه أصبح جزءًا من هويته.

وبعد ذلك، قد يصل إلى مرحلة يدافع فيها عنه، لا لأنه صحيح، بل لأنه لا يريد أن يعترف بأنه كان مخطئًا.

وهنا يتحول الثبات من فضيلة إلى قيد.

فالإنسان لا يعود يحمي المبدأ، بل يحمي صورته أمام نفسه وأمام الآخرين.

ولهذا قال الفيلسوف جون ماينارد كينز:

«عندما تتغير الحقائق، أغيّر رأيي. ماذا تفعل أنت؟»

ولم يكن يقصد بالشك التردد المرضي، بل التواضع الفكري؛ أي الاستعداد لمراجعة الأفكار كلما ظهرت حقيقة أقوى.

فالإنسان الحكيم لا يخشى أن يسأل نفسه:

"ماذا لو كنت مخطئًا؟"

لأن الحقيقة، في نظره، أغلى من انتصار الأنا.


هل مراجعة المبدأ ضعف؟

يخشى كثير من الناس مراجعة مبادئهم، لأنهم يظنون أن التراجع اعتراف بالهزيمة.

لكن التاريخ يعلمنا أن أعظم العقول لم تكن تلك التي رفضت التغيير، بل تلك التي امتلكت شجاعة الاعتراف عندما ظهر لها ما هو أصوب.

غير أن هناك فرقًا جوهريًا بين مراجعة المبدأ وبيع المبدأ.

فالمراجعة تنطلق من البحث عن الحق.

أما البيع، فينطلق من البحث عن المنفعة.

الأول شجاعة.

والثاني تنازل.

ولهذا فإن الإنسان الذي يترك الصدق من أجل المال، أو العدل من أجل السلطة، أو الأمانة من أجل مصلحة شخصية، لم يراجع مبدأه، بل استبدله بثمن.

أما من يعيد النظر في فهمه للعدل، أو في طريقة تطبيقه للرحمة، أو في الوسائل التي يحقق بها الخير، لأنه اكتشف أن فهمه السابق كان ناقصًا، فهذا لا يهدم مبدأه، بل يطوره ويجعله أقرب إلى الحقيقة.

وربما لهذا لا يكون الإنسان المبدئي هو الذي لا يغيّر شيئًا أبدًا، بل الذي لا يسمح لمصلحته أن تكون الحكم الأخير في تحديد ما هو حق وما هو باطل.



                                                                             تليد,,

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة