الزمن و معترضاته ...1

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:




«ما الزمن إذن؟ إذا لم يسألني أحد عنه فأنا أعرفه، وإذا أردت أن أشرحه لمن يسألني عنه فلا أعرف.»
— القديس أوغسطينوس، الاعترافات.

مقدمة

ليس في حياة الإنسان ما يلازمه كما يلازمه الزمن. فمنذ اللحظة الأولى لولادته، تبدأ ساعة لا تتوقف عن الحركة، لا تستأذن أحدًا، ولا تنتظر متأخرًا، ولا تعود إلى الوراء مهما اشتد الندم أو عظمت الأمنية.

ومع ذلك، فإن الزمن من أكثر الأشياء التي يصعب الإمساك بها. فنحن نقيسه بالساعات والأيام والسنين، لكننا لا نراه، ولا نلمسه، ولا نستطيع أن نقول أين يوجد على وجه الدقة. إننا ندرك آثاره في تجاعيد الوجوه، وتعاقب الفصول، وتغير الأفكار، ونمو الأطفال، وذبول الأشجار، لكن جوهره يظل عصيًا على التعريف.

ولعل هذا ما جعل الزمن موضوعًا حاضرًا في الفلسفة منذ العصور القديمة. فلم يكن سؤال الفلاسفة عن عدد الساعات التي يمضيها الإنسان، بل عن معنى العيش داخل هذا النهر الذي لا يتوقف عن الجريان.

إن الزمن ليس مجرد إطار تتحرك فيه الحياة، بل هو العنصر الذي يمنحها شكلها. فكل ذكرى تحتاج إلى ماضٍ، وكل أمل يحتاج إلى مستقبل، وكل قرار لا يُتخذ إلا في لحظة نسميها الحاضر.

هل الزمن حقيقة أم تجربة؟

قد يبدو هذا السؤال غريبًا، لأن الزمن يبدو بديهيًا في حياتنا اليومية. غير أن الفلسفة تدعونا إلى النظر أبعد من البديهيات.

فالساعة تقيس مرور الدقائق، لكنها لا تقيس شعور الإنسان بها. فقد تمر ساعة كاملة على إنسان ينتظر خبرًا مصيريًا، فيشعر أنها يوم بأكمله، بينما تمر الساعة نفسها على طفل يلعب مع أصدقائه، فلا يكاد يشعر بها.

وهنا يبرز الفرق بين الزمن الفيزيائي الذي تقيسه الساعات، والزمن الإنساني الذي تعيشه النفس.

إن الإنسان لا يحيا الوقت بوصفه أرقامًا، بل بوصفه تجربة. ولذلك قد تبقى في الذاكرة لحظة قصيرة أثرت في مجرى الحياة أكثر مما أثرت سنوات طويلة مرت في رتابة وصمت.

برغسون والزمن الذي لا يُقاس

من أكثر الفلاسفة الذين أعادوا التفكير في مفهوم الزمن هنري برغسون، الذي ميز بين الزمن الذي تقيسه الساعات، والزمن الذي تعيشه النفس.

وأطلق على هذا الأخير مفهوم «المدة» (La durée)، وهو الزمن الداخلي الذي يتدفق في الوعي دون أن ينقسم إلى دقائق وثوانٍ.

فالإنسان، في نظر برغسون، لا يعيش حياته على هيئة وحدات منفصلة، بل كتجربة متصلة تتداخل فيها الذكريات بالحاضر، ويؤثر الماضي في كل قرار يتخذه.

ولهذا لا يمكن اختزال الحياة في تقويم أو ساعة، لأن ما يجعل الزمن إنسانيًا ليس مقداره، بل ما يحمله من خبرات، ومعانٍ، وتحولات داخلية.

إن دقيقة واحدة قد تغيّر مصير إنسان، بينما قد تمر أعوام طويلة دون أن تترك في نفسه أثرًا يُذكر.

لماذا يمر الزمن سريعًا كلما تقدم بنا العمر؟

يكاد جميع الناس يلاحظون أن السنوات تبدو في الطفولة طويلة، ثم يبدأ الزمن، مع التقدم في السن، وكأنه يسرع على نحو يصعب تفسيره.

وقد حاول الفلاسفة وعلماء النفس فهم هذه الظاهرة من زوايا متعددة. فالأطفال يعيشون كل تجربة بوصفها اكتشافًا جديدًا؛ أول يوم في المدرسة، وأول صديق، وأول رحلة، وأول نجاح. أما مع مرور العمر، فإن كثيرًا من الأيام تتشابه، فيصبح الزمن أقل امتلاءً بالخبرات الجديدة.

ولهذا لا يتعلق الأمر بسرعة الزمن نفسه، بل بكيفية امتلاء الذاكرة بالأحداث. فكلما كثرت التجارب الجديدة، بدا الزمن أوسع وأغنى، وكلما استسلم الإنسان للروتين، شعر بأن السنوات تنزلق من بين يديه دون أن يلتفت إليها.

ومن هنا، فإن الحياة لا تُقاس بعدد الأيام التي نعبرها، بل بعدد الأيام التي نعيشها حقًا.



                                      تــليد..

تعليقات