الزمن ومعترضاته ...3
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
( الله تعالى هو الثابت الوحيد في الكون وكُل ماعداه مُتغير على الدوام، الله تعالى لا يجري عليه الزمان وليس مكينًا في مكان سبحانه عما يصفون)
كيف يمنح الزمن الحياة معناها؟
لو امتلك الإنسان زمنًا لا ينتهي، لفقدت كثير من الأشياء قيمتها. فما الذي يدعو إلى المبادرة إذا كان التأجيل ممكنًا إلى ما لا نهاية؟ وما الذي يجعل اللقاء ثمينًا إذا كان الفراق مستحيلًا؟ وما الذي يمنح الوعد ثقله إذا كان المستقبل يمتد بلا حدود؟
إن محدودية العمر ليست مجرد حقيقة بيولوجية، بل هي أحد الأسس التي تمنح الوجود الإنساني معناه. فالإنسان يدرك، وإن لم يصرح بذلك دائمًا، أن أيامه معدودة، وأن الفرص ليست بلا نهاية، وأن لكل بداية خاتمة.
ولعل هذا الإدراك هو الذي يدفعه إلى الحب، وإلى التعلم، وإلى بناء الأسرة، وإلى كتابة الكتب، وإلى غرس الأشجار التي قد لا يجلس في ظلها. فالرغبة في أن يترك أثرًا بعد رحيله هي إحدى أعمق صور مقاومة الإنسان لفناء الزمن.
ومن هنا، فإن الزمن لا يسلب الإنسان المعنى، بل يدعوه إلى صناعته.
بين إدارة الوقت وإدارة الحياة
امتلأت المكتبات بكتب تتحدث عن إدارة الوقت، وعن تنظيم الساعات، ووضع الجداول، وزيادة الإنتاجية. ولا شك أن لهذه المهارات قيمتها العملية، غير أن الفلسفة تطرح سؤالًا أعمق: هل المشكلة في الوقت، أم في الطريقة التي نعيش بها؟
فالوقت موزع على الناس جميعًا بالقدر نفسه؛ أربع وعشرون ساعة في اليوم. ومع ذلك، يخرج بعضهم من عام واحد وقد تغيرت حياته، بينما تمر أعوام طويلة على آخرين دون تحول يُذكر.
والفرق لا يكمن في عدد الساعات، بل في نوعية ما يُملأ به ذلك الوقت.
فالانشغال الدائم لا يعني حياة ذات قيمة، كما أن كثرة الأعمال لا تعني بالضرورة كثرة الإنجاز. فقد يقضي الإنسان يومه كله في الحركة، ثم يكتشف أنه لم يقترب خطوة واحدة من أهدافه الحقيقية.
إن إدارة الوقت مهارة، أما إدارة الحياة فهي حكمة.
فالحكيم لا يسأل نفسه كل صباح: ما الذي سأفعله اليوم؟ فحسب، بل يسأل أيضًا: هل ما أفعله اليوم يقربني من الإنسان الذي أريد أن أكونه؟
الزمن والإنسان المعاصر
لم يعرف الإنسان في أي عصر سرعة تشبه السرعة التي يعيشها اليوم. فالأخبار تتدفق بلا توقف، والرسائل تصل في لحظات، والعمل يمتد إلى ما بعد ساعات الدوام، والهواتف الذكية جعلت العالم كله حاضرًا في جيب الإنسان.
ومع ذلك، فإن هذه السرعة لم تمنح الإنسان دائمًا شعورًا بأنه يملك وقتًا أكثر، بل ربما جعلته يشعر بأن الزمن يهرب منه أسرع من أي وقت مضى.
لقد أصبح كثيرون يعيشون في سباق دائم، ينتقلون من مهمة إلى أخرى، ومن شاشة إلى أخرى، حتى فقدت لحظات الصمت والتأمل مكانها في الحياة اليومية.
وليس المقصود من هذا نقد التقدم التقني، فهو ثمرة عظيمة للعقل الإنساني، وإنما التنبيه إلى أن كثرة الوسائل لا تغني عن وضوح الغاية.
فالزمن الذي لا يجد معنى يملؤه، يتحول إلى سلسلة من الأيام المتشابهة، مهما ازدحمت بالأحداث.
خاتمة
ليس الزمن خصمًا للإنسان، كما قد يبدو لأول وهلة، وليس صديقًا يجامل أحدًا على حساب آخر. إنه الحقيقة المشتركة التي يخضع لها الجميع، غنيهم وفقيرهم، قويهم وضعيفهم، عالمهم وجاهلهم.
وقد اختلف الفلاسفة في تفسير طبيعته، لكنهم اتفقوا، بصورة أو بأخرى، على أن الإنسان لا يستطيع أن يفهم نفسه بعيدًا عن الزمن.
فالماضي يمنحه الجذور، والحاضر يمنحه الفعل، والمستقبل يمنحه الأمل. وإذا اختل التوازن بين هذه الأبعاد الثلاثة، اضطربت رؤيته للحياة.
إن الحياة ليست بطولها، بل بعمقها. وليست بكثرة الأيام، بل بما يُزرع فيها من معرفة، وخير، ومحبة، وأثر طيب.
وربما كانت أعظم حكمة يعلمنا إياها الزمن هي أن كل لحظة تمضي تصبح جزءًا من تاريخنا، وأن السؤال الذي سيبقى في نهاية المطاف ليس: كم سنة عشنا؟ بل: كيف عشنا تلك السنين؟
للتأمل
كتب سينيكا في رسالته «في قِصر الحياة» ما معناه أن الحياة ليست قصيرة بطبيعتها، وإنما يقصرها الإنسان حين يبددها فيما لا ينفع.
هذه الفكرة لا تدعونا إلى العجلة، ولا إلى تحويل الحياة إلى سباق، بل إلى أن نحسن استخدام الزمن الذي بين أيدينا، وأن ندرك أن أثمن ما نملكه ليس ما نكسبه، بل ما نمنحه من أعمارنا.
سؤال للتأمل:
لو علمت أن هذا اليوم لن يتكرر أبدًا، فهل كنت ستعيشه بالطريقة نفسها؟ أم أن هناك كلمة كنت ستقولها، أو عملًا كنت ستنجزه، أو شخصًا كنت ستمنحه شيئًا من وقتك؟
تـلـيد...
تعليقات
إرسال تعليق