رسالة إلى الذين لم يُغادرهم القلب ..

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:





رسالةٌ إلى الغرباء الذين لم يغادرهم القلب

لستُ أكتب إليكِ لأسترجع ما انقضى، فالزمن إذا أغلق بابًا لم يكن من الحكمة أن نُحطِّمه، ولا أكتب لأستدرَّ دمعةً من عينيكِ، فإن الدموع لا تُعيد الأعمار، ولا تُرجع الفصول التي عبرت دون أن تلتفت إلينا.

إنما أكتب لأن في القلب كلماتٍ طال صمتها، حتى خُيِّل إليَّ أن الصمت نفسه قد أثقلها.

لقد كنتُ أظن، في سالف الأيام، أن القوة تكمن في التمسك بالرأي، وأن الكبرياء حصنٌ يحفظ للإنسان هيبته، ثم علَّمتني السنون أن أعظم القوة أن يعرف المرء متى يلين، وأن أشرف الكبرياء أن يتواضع للحقيقة إذا انكشفت له.

ما عدتُ أبحث في دفاتر الماضي عمَّن كان أكثر خطأً، فقد أدركتُ أن العلاقات الإنسانية لا تهدمها زلَّةُ واحد، بل تتداعى حين يعجز كلُّ طرفٍ عن رؤية موضع قدمه. كنا نظن أننا ننتصر في الخصام، ولم نكن نعلم أن الخاسر الحقيقي هو ذلك الدفء الذي كان يجمع روحين تحت سقفٍ واحد.

لقد غيَّرتني الأيام أكثر مما كنتُ أتصور. نزعت من قلبي كثيرًا من العجلة، وكثيرًا من الغرور، وكثيرًا من الأحكام التي كنتُ أطلقها بثقةٍ لا تليق بإنسانٍ محدود المعرفة. فكلما ازداد العمر، ازداد يقيني أن الإنسان لا يكتمل، وإنما يتعلم، وأن أكبر معلمٍ في هذه الدنيا هو الندم إذا أحسنَّا الإصغاء إليه.

ما كٌل اعتذار يميله الضعف، بل قد يكون الاعتذار موقفًا لا ينهض به إلا من عرف قدر نفسه، وأدرك أن للناس حقوقًا لا يُبرئها إلا الااعتراف بها.

جئتً أؤدي ما أراه حقًا في عنقي فإن كان لكِ عندي أثر من ألم ، فأغفريه لي وسامحيني فإن العفو لا يزيدً الكريم إلا رِفعة ولا ينقص المُعتذر الصادق إلا من ذنبه

غفرتُ كل ما كان حتى لم يبقى في القلبِ أثرٌ لعتب يُروى ولا لمؤاخذة تُذكر وإنما خلوُّ أيامي منكِ لم أجد له اسمًا في معجم الغفران وذلك مما لا تملكه الإرادة ولا يداويه إلا ما يكتبه الله تعالى للقلوب من سكينة.

فإن كان قد صدر مني ما آذاك أو بلغك مني مالم يكن يليق بمقامك وقدرك، فإني أستغفِرُ الله تعالى منه ،ثم أطلب منكِ أن تغفري لي، لا أتنصل من خطأ ولا أبحثُ له عن عذر وإنما الاعتذار أكرمً من الصمت.

بل وحتى لا ننسى قصة العاص ابن ربيعه (فررتُ منكِ إليكِ)

واعلمي أنه إن كان لي في هذه الحياة إختيار أعتزً به لكان إختيارك و أصدق ما آمن به ولتكن هذه الحروف شاهده أنني سأختارك في كل مرّة كأول مرّة، وماكان ذلك اندفاعًا شابًا ولا عابِرًا بل مؤمنًا بالله ورسوله.

وإن لم يكتُب الله لنا لقاءً على هذه البسيطة فأرجوا أن تلمسي تُراب قبري يومًا ما لِيُزهر.

أتعلمين أيتها الكثيرة؟

ما عاد يؤلمني الفراق وحده، بل يؤلمني أن أجمل الكلمات قيلت متأخرة، وأن أجمل الاعتذارات وُلدت بعد أن انقضى أوانها. فالوقت، يا سيدتي، ليس ساعةً تدور عقاربها، بل هو فرصةٌ إذا مضت، لم تعد هي نفسها أبدًا.

كم مرةٍ تمنيت لو عاد بي الزمان إلى تلك اللحظات التي حسبتها عادية، فإذا بها أثمن من كنوز الأرض جميعًا. فقد كان الاجتماع نعمةً لا نشعر بها إلا حين تصبح ذكرى، وكان حضوركِ في حياتي أمرًا مألوفًا، حتى علَّمني الغياب أن المألوف قد يكون أعظم النعم.

وإن كانت الأيام لا تُعيد ما مضى، فإنها تُعلِّم الإنسان كيف يحفظ الجميل، وكيف يترفَّع عن تشويه الذكريات التي كانت يومًا موطنًا للسعادة.

ولستُ أدري أين تمضي بكِ الأيام الآن، ولا كيف أصبحتِ بعد هذه السنين، غير أنني أدعو الله كلما مرَّ طيفكِ بخاطري أن يجعل الطمأنينة رفيقة قلبك، وأن يعوضك عن كل لحظة حزن، سواء كنتُ سببًا فيها أم كانت من أقدار الحياة.

فالمحبة الصادقة لا تتحول إلى ضغينة، ولا يجعلها الفراق أمنيةً بالسوء، بل يزيدها نقاءً، حتى تصبح دعاءً خالصًا لا ينتظر مقابلًا.

لقد فهمتُ أخيرًا أن الحب ليس امتلاكًا، وإنما أمانة. وليس انتصارًا لطرفٍ على آخر، وإنما سكينةٌ إذا حضرت، شعر الإنسان أن الدنيا أرحب مما كان يظن. فإن غابت، بقي أثرها شاهدًا على أنها كانت يومًا حقيقةً لا وهمًا.

وإنه لأحتفل وحيدًا كُل سنة منذ الفِراق بعيد ميلادك المجيد في الثالث والعشرون من شهر يوليو من عام 1992م.

ولو سألني سائلٌ اليوم: ما الذي بقي بعد تلك السنوات؟

لقلت: بقي الامتنان.

امتنانٌ لأن الله أذن لقلبي أن يعرف هذا الشعور، وإن لم يكتب له الدوام. وامتنانٌ لأن الإنسان لا يُقاس بعدد من عبروا حياته، بل بعمق الأثر الذي تركوه فيها. وامتنانٌ لأن بعض الأشخاص، وإن ابتعدوا عن أعيننا، يظلون جزءًا من تكوين أرواحنا، كما يبقى الضوء في الأفق بعد أن تغيب الشمس.

ولعل أجمل ما يمكن أن يختم به المرء حديثه ليس وعدًا باللقاء، ولا رجاءً بعودة الأيام، وإنما يقينٌ هادئ بأن الله لا يضيع في القلوب الصادقة خيرًا، وأن ما كان لله من مودةٍ ورحمةٍ يبقى أثره كريمًا، وإن حالت بين أصحابه مسافات الأرض وأعوامها.

سلامٌ عليكِ أيتها الكثيرة...

سلامٌ على الأيام التي جمعتنا، وعلى الأيام التي فرقتنا، وعلى الدروس التي تركتها في أرواحنا.

وسلامٌ على قلبٍ علَّمته المحبة أن يكون أكثر رحمةً، وعلَّمه الفراق أن يعرف قيمة ما كان يملكه قبل أن يفقده.





                                تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة