كُل ماضي مضى ومات فلِما يبقى أثره ..
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
حين يصبح الماضي وطنًا لا تُمنح له تأشيرةُ عودة
لعلَّ أقسى ما يبتلى به الإنسان أن يكتشف، بعد أن يشتد عوده ويصفو بصره، أن الحياة لا تسير إلى الوراء، وأن الزمن لا يعرف الشفقة، وأن الأبواب التي أُغلقت بالأمس لا تفتحها اليوم كثرة الندم، ولا فيض الدموع، ولا صدق الأمنيات.
وليس الماضي وطنًا نعود إليه متى شئنا، بل هو وطنٌ يسكننا، ولا نسكنه. نحمله في ذاكرتنا كما تحمل الأرض جذور الأشجار التي اقتُلعت منذ زمن، فلا تراها العيون، ولكنها ما تزال ممتدةً في أعماق التراب.
كم من إنسانٍ يظن أنه نسي، حتى يمر بعطرٍ كان يألفه، أو يسمع اسمًا كان يومًا يملأ قلبه، أو تقع عيناه على مكانٍ شهد ضحكةً قديمة، فإذا بالسنين كلها تنهار في لحظة، ويعود القلب إلى ماضيه أسرع مما يعود الطير إلى عشه.
ولقد أدركت بعد طول تأمل أن الذكريات لا تؤلم لأنها ماضٍ، بل لأنها كانت مستقبلًا نحلم به، ثم تحولت إلى صفحاتٍ يابسةٍ في كتاب العمر. فنحن لا نبكي ما وقع، وإنما نبكي ما كان يمكن أن يقع لو أننا أحسنَّا الاختيار، وأحسنَّا الإصغاء، وأحسنَّا الصبر.
إن الإنسان لا يخسر الأشخاص مرةً واحدة، بل يخسرهم كلما تذكرهم، وكلما رأى في الحياة موقفًا كان يتمنى أن يشاركهم إياه، وكلما بلغ من العمر مرحلةً كان يحلم أن يبلغها وهم إلى جواره.
وقد قال أبو فراس الحمداني:
سيذكرني قومي إذا جدَّ جدُّهموفي الليلةِ الظلماءِ يُفتقدُ البدرُ.
وهكذا شأن الأحبة؛ فكثيرًا ما لا تُعرف قيمتهم إلا بعد أن يبتعدوا، ولا يُدرك فضل حضورهم إلا حين يصبح حضورهم أمنيةً لا واقعًا.
ومن أعجب سنن الحياة أن الإنسان يطارد أشياء كثيرة، ثم يكتشف في آخر المطاف أن أثمن ما كان يملكه لم يكن مالًا ولا جاهًا، بل قلبًا كان يطمئن إليه، ويدًا كانت تمتد إليه عند ضعفه، ونظرةً كانت تقول له دون كلام: لست وحدك.
وهل في الدنيا نعمةٌ أعظم من أن يجد المرء روحًا تألفه دون تكلُّف، وتغفر له قبل أن يعتذر، وتفرح لفرحه قبل أن يطلب منها ذلك؟ تلك النعم لا تُشترى، ولا تُستعاد إذا ضاعت، لأنها من عطايا القدر التي لا يعرف الإنسان قدرها إلا بعد أن تغيب.
إننا، في غمرة الحياة، نُحصي ما فقدناه من الأموال، ولا نحصي ما فقدناه من الأرواح التي كانت تمنح أيامنا معنًى. فإذا انقضت الأعمار، لم يبق في الذاكرة عدد الصفقات، ولا أسماء المناصب، وإنما بقيت الوجوه التي أحببناها، والكلمات التي قيلت بصدق، واللحظات التي شعرنا فيها أننا بشرٌ كاملون لأننا لم نكن وحدنا.
لذلك، فإن الحكيم ليس من لا يفقد شيئًا، وإنما من يتعلم قبل الفقد أن يحتضن النعمة وهي بين يديه، وأن يقول كلمة الحب في أوانها، وأن يعتذر قبل أن يتكلم الزمن نيابةً عنه؛ فالزمن إذا نطق، كان صوته أشد من كل موعظة، وأبلغ من كل اعتذار.
تليد..

تعليقات
إرسال تعليق