التوازن والاتزان ..

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:






«الفضيلة هي الوسط بين طرفين.»
— أرسطو


مقدمة(الجزء الأول)

تقوم الحياة على التوازن أكثر مما تقوم على القوة.

فالشجرة لا تبقى شامخة لأنها الأكثر صلابة، بل لأنها تمتلك من المرونة ما يجعلها تقاوم الرياح دون أن تنكسر.

والجسد لا يحافظ على صحته إلا عندما تتوازن أجهزته، فلا يطغى عضو على آخر، ولا تزيد مادة أو تنقص إلا ظهر أثر ذلك في صحة الإنسان.

وكذلك النفس البشرية؛ فهي تحتاج إلى توازن بين العقل والعاطفة، وبين الطموح والرضا، وبين العمل والراحة، وبين الاهتمام بالذات والاهتمام بالآخرين.

وحين يختل هذا التوازن، تبدأ المشكلات في الظهور، حتى وإن بدا الإنسان ناجحًا من الخارج.

ولهذا، فإن الحكمة لا تعني أن يمتلك الإنسان كل شيء، وإنما أن يعرف مقدار كل شيء، وأن يضعه في موضعه الصحيح.

ومن هنا، كان التوازن أحد أعظم القيم التي سعت إليها الفلسفات، والأديان، والتجارب الإنسانية عبر التاريخ.


الأمثلة:

الجبان عكسه المتهور وليس الشُجاع ..

البخيل عكسه المُسرف وليس الكريم ..


الفضيلة وسطٌ بين رذيلتين..


ما التوازن؟

التوازن هو القدرة على إعطاء كل جانب من جوانب الحياة حقه، من غير إفراط ولا تفريط، وبما يحقق الانسجام بين حاجات الإنسان المختلفة وقيمه وأهدافه.

وليس المقصود بالتوازن أن يقسم الإنسان وقته أو اهتمامه بالتساوي بين جميع الأمور، لأن ظروف الحياة تختلف، والأولويات تتغير.

فقد يحتاج الطالب في فترة الامتحانات إلى تخصيص وقت أكبر للدراسة، كما يحتاج الأب عند مرض أحد أبنائه إلى تقديم أسرته على بعض شؤونه الأخرى.

إذن فالتوازن لا يعني المساواة المطلقة، وإنما يعني حسن ترتيب الأولويات، بحيث لا يطغى جانب على آخر طغيانًا دائمًا يفسد حياة الإنسان.


لماذا يميل الإنسان إلى الإفراط أو التفريط؟

الإنسان بطبيعته يتأثر بالعاطفة، وقد تدفعه الرغبة في النجاح إلى المبالغة في العمل حتى يهمل صحته وأسرته.

وقد يدفعه الخوف إلى الحذر المفرط حتى يفقد فرصًا كثيرة.

وقد يقوده حب المال إلى البخل، أو حب الكرم إلى الإسراف.

وهكذا، فإن أكثر الانحرافات لا تبدأ بنية سيئة، وإنما تبدأ بخروج أمرٍ حسن عن حد الاعتدال.

ولهذا، فإن الفضائل ليست مجرد اختيار للخير، بل هي أيضًا معرفة بمقداره.

فالكرم فضيلة، لكن الإسراف ليس كرمًا.

والشجاعة فضيلة، لكن التهور ليس شجاعة.

والحزم فضيلة، لكن القسوة ليست حزمًا.

ومن هنا، فإن التوازن يحفظ الفضائل من أن تتحول إلى نقائضها.


أرسطو... الفضيلة هي الوسط

من أشهر الأفكار في تاريخ الفلسفة ما عرضه أرسطو فيما عرف بـ نظرية الوسط الذهبي.

وقد رأى أن الفضيلة تقع بين رذيلتين: رذيلة الإفراط ورذيلة التفريط.

فالشجاعة مثلًا تقع بين التهور والجبن.

والكرم يقع بين الإسراف والبخل.

والثقة بالنفس تقع بين الغرور واحتقار الذات.

ولم يكن يقصد أن الفضيلة هي متوسط حسابي بين طرفين، بل أن الحكمة تكمن في اختيار السلوك المناسب للموقف المناسب، بالقدر المناسب.

ولهذا، فإن التوازن يحتاج إلى عقل يميز، وخبرة تعلم، ونفس تضبط رغباتها.


التوازن بين العقل والعاطفة

من أكثر صور التوازن أهمية أن يتعلم الإنسان كيف يجعل العقل والعاطفة يعملان معًا، لا أن يلغي أحدهما الآخر.

فالعاطفة تمنح الحياة دفئها، وتجعل الإنسان يحب، ويرحم، ويتعاطف.

أما العقل، فيمنحه القدرة على التفكير، والتخطيط، واتخاذ القرارات.

وعندما يطغى العقل وحده، قد يصبح الإنسان جافًا في مشاعره.

وعندما تسيطر العاطفة وحدها، قد يتخذ قرارات يندم عليها.

ولهذا، فإن الشخصية الناضجة ليست التي تخلو من المشاعر، ولا التي تخضع لها بالكامل، وإنما التي تجعل العاطفة تسمع لصوت العقل، ويستمع العقل كذلك إلى حاجات القلب.


التوازن بين الطموح والرضا

يظن بعض الناس أن الطموح والرضا ضدان لا يجتمعان، لكن الحقيقة غير ذلك.

فالطموح يدفع الإنسان إلى تحسين حياته، وتطوير نفسه، وخدمة مجتمعه.

أما الرضا، فيمنعه من أن يتحول إلى أسير للمقارنات والجشع والسخط.

ولهذا، يستطيع الإنسان أن يطمح إلى الأفضل، وفي الوقت نفسه يشكر الله على ما بين يديه.

إن الطموح من دون رضا قد يقود إلى قلق دائم.

والرضا من دون طموح قد يتحول إلى استسلام.

أما اجتماعهما، فيمنح الإنسان سكينةً تدفعه إلى العمل، لا إلى الكسل.


التوازن في العلاقات الإنسانية

لا تقوم العلاقات الناجحة على الأخذ وحده، ولا على العطاء وحده.

فالإنسان الذي لا يفكر إلا في نفسه يفقد محبة الناس.

والذي يهمل نفسه دائمًا من أجل الآخرين قد يستنزف طاقته ويشعر بالمرارة.

ولهذا، فإن التوازن في العلاقات يعني أن يحترم الإنسان حقوقه، كما يحترم حقوق غيره.

فيحسن الاستماع كما يحسن الحديث، ويصفح حين يكون الصفح أصلح، ويطالب بحقه حين يكون ذلك عدلًا، دون ظلم أو قسوة.

وهذا النوع من التوازن يحتاج إلى نضج، لأنه يقوم على الحكمة، لا على ردود الأفعال.


بداية الاتزان

لا يبدأ التوازن بتغيير العالم، بل يبدأ بسؤال بسيط يطرحه الإنسان على نفسه:

هل أعطي كل جانب من حياتي حقه؟

فقد يكتشف أنه نجح في عمله لكنه أهمل صحته.

أو حافظ على صحته لكنه انقطع عن أسرته.

أو جمع المال لكنه فقد راحة البال.

وعندها يدرك أن النجاح الحقيقي لا يقاس بجانب واحد من الحياة، بل بانسجام الجوانب المختلفة فيها.

ولهذا، فإن التوازن ليس نقطة يصل إليها الإنسان مرة واحدة، بل هو مراجعة مستمرة، وتصحيح دائم، لأن ظروف الحياة نفسها تتغير، وما كان متوازنًا بالأمس قد يحتاج إلى إعادة ترتيب اليوم.


قال أرسطو إن الفضيلة تقوم على اختيار الوسط الحكيم بين طرفين مذمومين.

ولعل هذه الفكرة ما زالت تحتفظ بقيمتها حتى اليوم؛ لأن كثيرًا من مشكلات الإنسان المعاصر لا تنشأ من نقص الخير، بل من فقدان التوازن في ممارسته، حتى يتحول ما كان نافعًا إلى مصدر اضطراب.



                                تَـليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة