التوازن والاتزان...
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
التوازن: كيف يعيش الإنسان بين الإفراط والتفريط؟ (الجزء الثالث والأخير)
التوازن بين الماضي والمستقبل
من أكثر صور التوازن أهمية أن يعرف الإنسان كيف ينظر إلى الماضي دون أن يصبح أسيرًا له، وكيف يتطلع إلى المستقبل دون أن يهمل الحاضر.
فالماضي مدرسة يتعلم منها الإنسان، لكنه ليس مكانًا يصلح للسكن.
والمستقبل هدف يسعى إليه، لكنه لا يُبنى بالأمنيات وحدها.
أما الحاضر، فهو المجال الوحيد الذي يملك الإنسان أن يعمل فيه.
ولهذا، فإن الحكمة لا تعني أن ينسى الإنسان ماضيه، ولا أن يعيش قلقًا دائمًا بشأن مستقبله، وإنما أن يستفيد من تجاربه السابقة ليحسن صناعة يومه، لأن اليوم هو الذي يصنع الغد.
وكثير من الناس يعجزون عن التقدم، لا لأنهم يفتقرون إلى القدرات، بل لأنهم يظلون يراجعون أخطاء الأمس حتى يفقدوا فرصة اليوم.
وفي المقابل، قد يعيش آخرون في أحلام المستقبل حتى يهملوا مسؤوليات الحاضر.
والتوازن الحق هو أن يبقى الماضي مصدرًا للعبرة، والمستقبل مصدرًا للدافع، والحاضر ميدانًا للعمل.
التوازن بين الفرد والمجتمع
لا يعيش الإنسان منعزلًا عن غيره، كما لا يجوز أن يذوب في الجماعة حتى يفقد شخصيته.
فالفرد يحتاج إلى المجتمع ليجد الأمن، والتعليم، والعمل، والعلاقات الإنسانية.
والمجتمع يحتاج إلى أفراد يتحملون المسؤولية، ويبدعون، ويعملون بإخلاص.
ولهذا، فإن العلاقة بينهما ليست علاقة تنافس، بل علاقة تكامل.
فالإنسان المتزن يعرف أن له حقوقًا ينبغي أن تُصان، كما أن عليه واجبات ينبغي أن يؤديها.
ولا يطالب بحقوقه مع إهمال مسؤولياته، ولا يحمل نفسه من الواجبات ما يفوق طاقتها حتى يفقد توازنه.
ومن هنا، فإن استقرار المجتمعات لا يقوم على قوة القوانين وحدها، بل على وعي الأفراد بأن مصلحتهم الشخصية ترتبط، في كثير من الأحيان، بالمصلحة العامة.
التوازن في زمن السرعة
يعيش الإنسان اليوم في عصر يتسم بسرعة غير مسبوقة.
تتدفق الأخبار في كل لحظة، وتتطور التقنيات باستمرار، وتزداد المنافسة في ميادين العمل والعلم.
وقد منح هذا الواقع الإنسان فرصًا واسعة، لكنه فرض عليه أيضًا ضغوطًا لم تكن معروفة في الأزمنة السابقة.
ومن هنا، أصبحت الحاجة إلى التوازن أكثر إلحاحًا.
فليس كل خبر يستحق أن يشغل العقل، ولا كل نقاش يستحق أن يستهلك الوقت، ولا كل نجاح للآخرين ينبغي أن يتحول إلى مقارنة تسرق من الإنسان رضاه.
إن إدارة الانتباه أصبحت من أهم صور التوازن في العصر الحديث.
فالإنسان الذي يعرف متى يعمل، ومتى يرتاح، ومتى يغلق الأجهزة ليمنح نفسه وقتًا للتأمل والأسرة والقراءة، يحافظ على صفاء ذهنه وقدرته على اتخاذ القرارات الرشيدة.
التوازن والحكمة
إذا تأملنا القيم التي ناقشناها في هذا الكتاب، وجدنا أن التوازن يجمعها جميعًا.
فالحرية تحتاج إلى توازن حتى لا تتحول إلى فوضى.
والمسؤولية تحتاج إلى توازن حتى لا تصبح عبئًا لا يُحتمل.
والثقة تحتاج إلى توازن حتى لا تنقلب إلى سذاجة أو غرور.
والحب يحتاج إلى توازن حتى لا يصبح تعلقًا يضر بصاحبه أو بمن يحب.
والأمل يحتاج إلى توازن حتى لا يتحول إلى وهم.
والتغيير يحتاج إلى توازن حتى لا يصبح اندفاعًا يهدم أكثر مما يبني.
ولهذا، فإن التوازن ليس فضيلة إلى جانب الفضائل الأخرى، بل هو الميزان الذي يحفظها جميعًا.
ومن فقد هذا الميزان، قد يحول حتى الصفات الحسنة إلى أسباب للمشكلات.
كيف يكتسب الإنسان التوازن؟
لا يولد الإنسان متزنًا بصورة كاملة، وإنما يكتسب هذه الصفة بالتجربة، والتأمل، والتعلم.
ومن الوسائل التي تعين على ذلك:
- أن يراجع أولوياته بين حين وآخر، لأن ما كان مهمًا بالأمس قد لا يكون كذلك اليوم.
- أن يستمع إلى الآراء المختلفة قبل أن يصدر أحكامه.
- أن يخصص وقتًا للعمل، ووقتًا للأسرة، ووقتًا للراحة، ووقتًا لتنمية نفسه.
- أن يتقبل النقد الصادق، لأنه يساعده على رؤية ما قد يغيب عنه.
- أن يدرك أن الكمال غير ممكن، وأن المطلوب هو التحسن المستمر، لا الوصول إلى حالة لا نقص فيها.
إن التوازن لا يتحقق في يوم واحد، بل هو ثمرة قرارات صغيرة تتكرر حتى تصبح أسلوب حياة.
خاتمة
قد يظن الإنسان أن القوة هي أعظم ما يحتاج إليه في حياته، لكن التأمل يكشف أن القوة من غير توازن قد تتحول إلى طغيان، وأن العلم من غير توازن قد يتحول إلى غرور، وأن الطموح من غير توازن قد يتحول إلى إنهاك، وأن العاطفة من غير توازن قد تتحول إلى اندفاع.
ولهذا، فإن التوازن هو الحكمة التي تحفظ الفضائل من الانحراف.
لقد رأينا أن الفلسفة جعلت الاعتدال أساسًا للأخلاق، وأن الإسلام أقام جانبًا كبيرًا من تعاليمه على الوسطية، وأن التجربة الإنسانية تؤكد أن أكثر النجاحات دوامًا هي تلك التي تقوم على الاعتدال، لا على المبالغة.
وليس المقصود بالتوازن أن يعيش الإنسان بلا حماس، أو أن يقف دائمًا في منتصف الطريق، بل أن يعرف متى يتقدم، ومتى يتريث، ومتى يتمسك، ومتى يتنازل، وفقًا لما يمليه العقل والضمير والقيم.
إن الحياة تتغير باستمرار، والظروف لا تبقى على حال، لكن الإنسان المتزن يملك القدرة على التكيف دون أن يفقد هويته، وعلى التطور دون أن يتخلى عن مبادئه، وعلى النجاح دون أن ينسى إنسانيته.
ولعل أجمل ما في التوازن أنه لا يجعل الإنسان يبحث عن الكمال المستحيل، بل يعلمه أن الحياة رحلة من المراجعة المستمرة، وأن الحكمة ليست في ألا يختل الميزان أبدًا، بل في أن يعرف كيف يعيده إلى موضعه كلما مالت به الظروف.
للتأمل
قال كونفوشيوس:
«الفضيلة لا تكمن في ألا نسقط، بل في أن ننهض كلما سقطنا.»
ورغم أن هذه العبارة تتحدث عن النهوض بعد التعثر، فإنها تعكس أيضًا معنى التوازن؛ لأن الإنسان المتزن لا يتوقع حياة تخلو من الأخطاء، وإنما يتعلم كيف يصححها دون إفراط في لوم نفسه، أو تفريط في مسؤوليته.
تــليد..
تعليقات
إرسال تعليق