هل العقل يقود الوعي...؟

إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:





هل العقل يقود الوعي؟

لعل أكثر الأخطاء رسوخًا في الفكر الإنساني، أننا نستعمل كلمتي العقل والوعي كما لو كانتا شيئًا واحدًا، حتى إذا سألنا: أيهما يقود الآخر؟ بدا السؤال غريبًا، مع أن غرابته لا تكمن فيه، بل في أننا لم نتعود على طرحه.

فإذا كان العقل هو الذي يفكر، فمن الذي يراقب هذا التفكير؟

وإذا كان الوعي هو الذي يلاحظ، فمن الذي يزوّده بما يلاحظه؟

هنا تبدأ الحيرة.

لقد اعتدنا أن ننسب كل قرار إلى الوعي، وكأن الإنسان يجلس في داخله قائدٌ هادئ، يزن الأمور ثم يصدر أوامره إلى العقل.

ولكن ماذا لو كان الأمر معكوسًا؟

ماذا لو كان العقل قد سبق الوعي إلى القرار، ثم جاء الوعي متأخرًا ليكتب له قصةً تبدو منطقية؟

إن الإنسان يظن أنه اختار، بينما قد يكون اختياره قد بدأ قبل أن يشعر به.

ويظن أنه اقتنع، بينما قد يكون عقله قد هيأ أسباب الاقتناع، ثم سلّمها إلى الوعي في صورة قرارٍ شخصي.

ألسنا كثيرًا ما نقول:

"لا أعرف لماذا ارتحت لهذا الإنسان."

أو:

"لا أدري لماذا شعرت بالنفور منه."

إن هذه الجمل تكشف شيئًا بالغ الدقة.

فالقرار يظهر أولًا...

أما تفسيره فيأتي بعد ذلك.

وكأن العقل يعمل في أعماقه بصمت، يجمع الإشارات، ويقارن الخبرات، ويستدعي الذكريات، ثم يدفع النتيجة إلى سطح النفس، حيث يسميها الإنسان: شعورًا أو قناعةً.

بل تأمل أمرًا آخر.

كم مرة دافعت عن رأيٍ بحججٍ كثيرة، ثم اكتشفت بعد سنوات أنك لم تتمسك بذلك الرأي لأنه الأقوى، بل لأنه كان أول رأيٍ أحببته؟

لقد كان العقل، منذ البداية، يبني الأسوار حول ما اعتاده، ثم جاء الوعي يزيّن تلك الأسوار بأسماءٍ جميلة: المبادئ، والقناعات، والثوابت.

وليس المقصود من هذا أن الوعي وهم.

بل المقصود أن الوعي قد لا يكون دائمًا البادئ بالفعل، وإنما الشاهد الذي يصل بعد أن تبدأ الأحداث في الداخل.

ولهذا يعجز الإنسان أحيانًا عن تفسير نفسه.

يقول:

"كنت أعلم أن القرار خطأ، ومع ذلك اتخذته."

لكن هل كان يعلم حقًا؟

أم أن جزءًا من عقله كان قد حسم الأمر، بينما لم يلحق به وعيه إلا بعد فوات الأوان؟

لعلنا نبالغ في تقدير سلطان الوعي، لأننا لا نرى إلا ما يطفو على السطح.

أما ما يجري في الأعماق، فلا يصل إلينا إلا بعد أن يكون قد ترك أثره.

وهنا تصبح العلاقة بين العقل والوعي أشبه بعلاقة البحر والموج.

فالناس يرون الموجة، ويظنون أنها بداية الحركة.

لكن البحر كان يتحرك في عمقه منذ زمن.

وربما كان الوعي هو تلك الموجة...

أما العقل، فهو البحر الذي لا نرى معظم ما يجري فيه.

فإذا صح هذا التصور، فإن كثيرًا مما نسميه "اختياراتنا" قد لا يكون بداية التفكير، بل نهايته.

وقد لا يكون الوعي قائد الرحلة...

بل آخر من يعلم أنها قد بدأت.






                                   تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة