أم أن الوعي يقود العقل ..؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
أم أن الوعي هو الذي يقود العقل؟
لو كان العقل هو القائد الحقيقي، فلماذا يعجز أحيانًا عن تغيير فكرةٍ يعلم يقينًا أنها خاطئة؟
ولماذا يعرف المدخن أضرار التدخين، ثم يشعل سيجارةً أخرى؟
ولماذا يدرك الإنسان أن الغضب سيهدم ما بناه، ثم يترك كلمةً واحدة تحرق سنواتٍ من المودة؟
لو كان العقل هو السيد المطلق، لكان العلم كافيًا لتغيير الإنسان.
لكن الواقع يقول غير ذلك.
كم من إنسانٍ عرف الطريق، ولم يسلكه.
وكم من إنسانٍ حفظ الحكمة، ولم يعش بها.
وكم من إنسانٍ كان قادرًا على إقناع غيره، وعاجزًا عن إقناع نفسه.
إذن...
هناك قوةٌ أخرى، لا تعمل بمنطق البرهان وحده.
إنها الوعي.
ليس الوعي بمعنى الانتباه، بل بمعنى حضور الإنسان مع نفسه، ورؤيته لما يجري في داخله قبل أن يتحول إلى فعل.
العقل يُنتج الأفكار.
أما الوعي، فيختار أيَّ الأفكار تستحق أن تُمنح سلطةً على الحياة.
العقل يقول:
"هذا ممكن."
أما الوعي فيسأل:
"وهل ينبغي أن يكون ممكنًا؟"
العقل يقترح.
والوعي ينتقي.
العقل يفتح الأبواب.
والوعي يقرر أيَّ بابٍ يستحق أن يُفتح.
ولهذا، قد يمتلك شخصان القدر نفسه من الذكاء، ثم يفترقان في مصيرهما افتراقًا عظيمًا.
ليس لأن أحدهما أعقل من الآخر.
بل لأن أحدهما كان أكثر وعيًا بنفسه.
لقد تعلّم أن يراقب الفكرة قبل أن تصبح قناعة.
وأن يراجع القناعة قبل أن تتحول إلى عادة.
وأن يشك في العادة قبل أن تتحول إلى هوية.
وهنا تبدأ الحرية.
فالإنسان لا يصبح حرًّا عندما يفكر.
بل عندما يصبح قادرًا على مراقبة تفكيره.
إن أعظم سجنٍ لا يقبع خلف القضبان، بل داخل العقل الذي لا يعرف أنه يفكر بالطريقة نفسها كل يوم.
والوعي هو أول من يكتشف هذا السجن.
إنه الصوت الذي يسأل:
لماذا أغضب بالطريقة نفسها؟
ولماذا أكرر الأخطاء نفسها؟
ولماذا أبرر لنفسي ما أرفضه من غيري؟
هذه الأسئلة لا يطرحها العقل المشغول بالحسابات.
بل يطرحها الوعي المشغول بالحقيقة.
ولذلك، فإن الإنسان قد يملك عقلًا خارقًا، لكنه يعيش أسير عاداته.
وقد يملك عقلًا عاديًا، لكنه يغيّر حياته كلها، لأنه امتلك شجاعة النظر إلى نفسه دون تزييف.
وربما لهذا، لا يكون الوعي تابعًا للعقل.
بل يكون الحارس الذي يمنع العقل من أن يتحول إلى آلةٍ بارعة في تبرير أخطاء صاحبها.
فالعقل يستطيع أن يجد ألف حجة.
أما الوعي، فيحتاج إلى سؤالٍ واحد:
هل أنت صادق مع نفسك؟
وهذا السؤال وحده، قد يهدم بناءً كاملًا من المبررات، شيده العقل في سنوات.
ولعل الإنسان لا ينضج حين يصبح أكثر ذكاءً...
بل حين يصبح أكثر قدرةً على رؤية نفسه كما هي، لا كما يحب أن يراها.
وهنا، لا يعود العقل قائدًا...
ولا يصبح الوعي سيدًا...
بل يكتشف الإنسان أن كليهما يضل إذا انفرد بالطريق.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق