السعادة....2
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
إبيقور: هل السعادة هي اللذة؟
حين يُذكر اسم إبيقور، يظن كثير من الناس أنه دعا إلى حياة قائمة على اللهو والانغماس في الملذات. غير أن هذا الفهم بعيد عن حقيقة فلسفته.
لم يكن إبيقور يمجّد الإسراف، ولا يدعو إلى مطاردة اللذات بلا قيد، بل كان يرى أن السعادة تنبع من تحرير النفس من الخوف، ومن العيش في اعتدال، ومن القناعة بما يكفي لحياة هادئة.
وكان يميز بين الرغبات الطبيعية التي يحتاج إليها الإنسان، كالغذاء والأمان والصداقة، وبين الرغبات التي لا تنتهي، كالطمع في الثروة أو الجاه أو الشهرة. ورأى أن الإنسان كلما استعبدته الرغبات التي لا تعرف حدًا، ابتعد عن السكينة التي ينشدها.
ولذلك، فإن اللذة عند إبيقور لم تكن إفراطًا، بل غيابًا للألم الجسدي والاضطراب النفسي، وحضورًا للطمأنينة التي تجعل الإنسان يعيش يومه من غير خوفٍ دائم ولا قلقٍ مستمر.
ومن هنا تبدو فلسفته أقرب إلى الدعوة إلى الاعتدال منها إلى الدعوة إلى الإفراط، وهي صورة كثيرًا ما غابت عن التصورات الشائعة.
الرواقيون: السعادة التي لا تهزمها الظروف
إذا كان إبيقور قد بحث عن السعادة في هدوء النفس، فإن الرواقيين، وفي مقدمتهم إبيكتيتوس وماركوس أوريليوس، ذهبوا إلى أن السعادة الحقيقية لا ينبغي أن تعتمد على ما هو خارج إرادة الإنسان.
فالمال قد يضيع، والصحة قد تضعف، والمكانة الاجتماعية قد تتغير، لكن الإنسان يبقى قادرًا على اختيار موقفه من هذه الأحداث. وهنا تكمن، في نظرهم، الحرية الداخلية التي لا يستطيع أحد أن يسلبها منه.
لم يكن الرواقيون ينكرون الألم أو الخسارة، بل كانوا يرون أن المعاناة جزء من الحياة. غير أنهم دعوا الإنسان إلى ألا يجعل سعادته رهينة لأمور لا يملك التحكم فيها.
ولهذا كتب ماركوس أوريليوس في التأملات ما معناه أن اضطراب الإنسان لا ينشأ من الأحداث نفسها، بل من الطريقة التي يحكم بها عليها.
إن هذه الفكرة لا تدعو إلى تجاهل الواقع، وإنما إلى بناء قوة داخلية تمنح الإنسان القدرة على مواجهة تقلبات الحياة من غير أن يفقد اتزانه.
لماذا يطارد الإنسان السعادة باستمرار؟
قد يحقق الإنسان هدفًا ظل يسعى إليه سنوات طويلة، ثم لا يلبث أن يبحث عن هدف آخر. وقد يظن أن سعادته مؤجلة إلى أن يحصل على وظيفة أفضل، أو منزل أكبر، أو مكانة أعلى، فإذا بلغ ما أراد، وجد أن شعوره بالرضا لم يدم طويلًا.
وهذه الظاهرة ليست جديدة، بل لاحظها الفلاسفة منذ القدم. فالإنسان، بطبيعته، يميل إلى التطلع نحو المستقبل، ويعتاد بسرعة ما كان يعده يومًا حلمًا بعيدًا.
ولهذا فإن تعليق السعادة على حدث لم يقع بعد قد يحرم الإنسان من القدرة على تقدير ما يملكه في حاضره.
إن الامتنان لما هو موجود لا يعني التوقف عن الطموح، بل يعني ألا يصبح الطموح سببًا في إهمال النعم التي بين أيدينا.
فالحياة لا تُعاش كلها في انتظار الغد، كما أنها لا تُبنى بالاكتفاء بالحاضر وحده، وإنما بالتوازن بين السعي والرضا.
السعادة والرضا... هل هما شيء واحد؟
كثيرًا ما تُستعمل الكلمتان وكأنهما مترادفتان، لكن بينهما فرقًا دقيقًا.
فالرضا هو حالة من القبول الواعي بما لا يستطيع الإنسان تغييره، مع الاستمرار في العمل على تغيير ما يقدر عليه. أما السعادة فهي أوسع من ذلك؛ إذ تشمل الرضا، لكنها تضيف إليه الشعور بأن للحياة قيمة، وأن الإنسان يسير في طريق ينسجم مع مبادئه وأهدافه.
ولهذا قد يكون الإنسان راضيًا عن ظرف معين، لكنه لا يزال يسعى إلى تحسينه. كما قد يشعر بالسعادة رغم أنه يواجه صعوبات، لأن هذه الصعوبات لا تسلب حياته معناها.
إن الرضا لا يقتل الطموح، بل يحميه من التحول إلى جشع لا يعرف الاكتفاء. والطموح لا يناقض الرضا، إذا ظل وسيلة للنمو، لا سببًا للاستياء الدائم.
ولعل أجمل صور السعادة هي تلك التي تجعل الإنسان قادرًا على أن يشكر ما لديه، وهو يعمل في الوقت نفسه ليصبح أفضل مما هو عليه.
تـليد..
تعليقات
إرسال تعليق