لماذا يصدق الإنسان ما يريد تصديقه؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:




لماذا يصدق الإنسان ما يريد تصديقه؟

المقدمة (الجزء الأول)

في صباح أحد الأيام، وقف رجلان أمام صحيفة تحمل الخبر نفسه.

قرأ الأول العنوان، ثم ابتسم وقال بثقة:
"كنت أعلم أن الأمر سيحدث."

أما الثاني، فقد هز رأسه ساخرًا وقال:
"هذه الصحيفة لم تعد جديرة بالثقة."

لم يختلف الخبر.

ولم تختلف الكلمات.

بل لم يختلف ترتيب الحروف على الصفحة.

ومع ذلك، خرج كل واحد منهما بنتيجة تناقض الآخر تمامًا.

وليس هذا المشهد استثناءً، بل يتكرر كل يوم.

نراه في السياسة، وفي الرياضة، وفي الاقتصاد، وحتى داخل الأسرة الواحدة.

قد يشاهد شخصان المناظرة نفسها، ثم يخرج كل منهما مقتنعًا بأن الطرف الذي يؤيده هو المنتصر.

وقد يقرأ اثنان الكتاب نفسه، فيجد الأول فيه دليلًا يؤيد فكرته، بينما يراه الثاني برهانًا على عكسها.

فكيف يحدث ذلك؟

هل يتعمد الإنسان تجاهل الحقيقة؟

أم أن العقل نفسه يعمل بطريقة تجعلنا نرى ما نريد أن نراه؟

إن الإجابة تقودنا إلى واحدة من أكثر الظواهر إثارة في النفس البشرية؛ ظاهرة لا تجعل الإنسان يكذب على الآخرين، بل قد تجعله يخدع نفسه وهو يظن أنه يبحث عن الحقيقة.


العقل... ليس قاضيًا دائمًا

نحب أن نعتقد أن عقولنا تشبه القاضي الذي يجلس في المحكمة، يستمع إلى جميع الأدلة، ثم يصدر حكمًا عادلًا.

لكن الواقع أكثر تعقيدًا.

ففي كثير من الأحيان، لا يتصرف العقل كقاضٍ، بل كمحامٍ.

والمحامي لا يبدأ بالبحث عن الحقيقة، بل يبدأ بالدفاع عن موكله.

وهكذا يفعل العقل أحيانًا.

فبعد أن تتكون لدينا قناعة، يبدأ في جمع الأدلة التي تؤيدها، ويبحث عن المبررات التي تجعلها تبدو صحيحة، حتى لو كانت الأدلة الأخرى أقوى.

إننا لا نفعل ذلك لأننا سيئو النية، بل لأن العقل البشري صُمم ليحافظ على التماسك الداخلي، ويكره الشعور بالتناقض.


عندما تصبح الفكرة جزءًا من الهوية

هناك فرق كبير بين أن يمتلك الإنسان فكرة، وأن تمتلكه الفكرة.

في البداية، تكون الآراء مجرد اختيارات.

لكن مع مرور الزمن، قد تتحول إلى جزء من هوية الإنسان.

وحين يحدث ذلك، لا يعود نقد الفكرة يُشعره بأن رأيه محل نقاش، بل يشعره بأن شخصه كله يتعرض للهجوم.

ولهذا نرى بعض الناس يدافعون عن آرائهم بعاطفة تفوق دفاعهم عن الحقائق.

فالتراجع عن الفكرة، في نظرهم، يبدو وكأنه تراجع عن الذات.

ومن هنا تبدأ المشكلة.

إذ يصبح الهدف ليس الوصول إلى الحقيقة، بل حماية الصورة التي رسمها الإنسان لنفسه.


أول خطوة نحو الوهم

نادراً ما يبدأ الوهم بكذبة كبيرة.

بل يبدأ بجملة صغيرة يقولها الإنسان لنفسه:

"أنا متأكد."

ومنذ تلك اللحظة، يبدأ العقل في البحث عمّا يؤكد هذا اليقين.

كل خبر مؤيد يلفت الانتباه.

وكل دليل مخالف يُفسَّر، أو يُشكَّك فيه، أو يُهمَل.

وهكذا، لا تتغير الحقيقة، لكن تتغير الطريقة التي ينظر بها الإنسان إليها.

ولهذا، فإن أخطر أنواع الخداع ليس أن يخدعك الآخرون، بل أن يخدعك عقلك وأنت مطمئن إلى أنه لا يخطئ.


سؤال يستحق التأمل

إذا كان العقل قادرًا على إقناع صاحبه بما يريد أن يصدقه...

فكيف يمكن للإنسان أن يميز بين القناعة الصادقة، والرغبة التي ارتدت ثوب الحقيقة؟



يتبع في الجزء الثاني...




                                     تليد..




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة