لماذا يصدق الإنسان ما يريد تصديقه؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
لماذا يصدق الإنسان ما يريد تصديقه؟ (الجزء الثاني)
عندما يسبق الجواب السؤال
تخيل باحثًا دخل مكتبة ضخمة تضم ملايين الكتب.
لو كان هدفه أن يكتشف الحقيقة، فسيفتح الكتب المختلفة، ويقارن بينها، ويقبل أن تغيّر النتائج رأيه.
لكن لو دخل وهو يريد إثبات فكرة آمن بها مسبقًا، فسيبحث فقط عن الكتب التي تؤيده، وسيتجاهل ما سواها.
وهذا ما يفعله العقل أحيانًا.
إنه لا يبدأ دائمًا بالسؤال، بل يبدأ بالجواب، ثم يقضي وقتًا طويلًا في البحث عن الأدلة التي تثبت أن جوابه الأول كان صحيحًا.
وهنا تكمن المفارقة؛ فليس كل من يملك أدلة قد وصل إليها بالطريقة نفسها.
فقد يبحث اثنان في الموضوع ذاته، لكن أحدهما يبحث ليفهم، بينما يبحث الآخر لينتصر.
والفرق بينهما هو الفرق بين طالب الحقيقة، وطالب التأكيد.
الخوف... مهندس القناعات الخفي
ليس العقل وحده من يصنع ما نؤمن به.
أحيانًا يكون الخوف هو الكاتب الحقيقي، بينما يظن العقل أنه المؤلف.
فالإنسان قد يرفض فكرة لا لأنها خاطئة، بل لأنها تهدد شعوره بالأمان.
وقد يتمسك برأي قديم، لا لأنه أقوى من غيره، بل لأنه اعتاد العيش معه سنوات طويلة.
إن تغيير القناعة لا يعني تبديل فكرة فقط.
بل قد يعني إعادة ترتيب حياة كاملة.
ولهذا يبدو التغيير مؤلمًا.
فالإنسان لا يخشى الحقيقة دائمًا، وإنما يخشى الثمن الذي قد يفرضه الاعتراف بها.
الكلمات التي تبني جدرانًا
ما إن نصف شخصًا بأنه "عدو"، حتى يبدأ العقل في تفسير كل أفعاله على هذا الأساس.
وإذا وصفناه بأنه "حكيم"، أصبحنا أكثر ميلًا إلى قبول كلامه، حتى قبل أن نفكر فيه.
الكلمات ليست أوعية محايدة.
إنها عدسات.
تمنح الأشياء لونًا قبل أن ننظر إليها.
ولهذا كانت اللغة عبر التاريخ من أقوى أدوات التأثير في العقول.
فالذي يختار الكلمات، لا يصف الواقع فقط، بل يشارك في تشكيل الطريقة التي يراه بها الآخرون.
التاريخ... حين آمنت أمم كاملة بأوهام
لو كان خداع النفس ظاهرة فردية، لكان ضررها محدودًا.
لكن التاريخ يخبرنا أن شعوبًا كاملة صدقت أفكارًا تبين لاحقًا أنها كانت خاطئة.
ولم يكن السبب دائمًا نقص الذكاء.
بل اجتماع عوامل كثيرة؛ الخوف، والدعاية، وتكرار الرسائل، والرغبة في الانتماء، وصعوبة الاعتراف بالخطأ بعد سنوات من الدفاع عنه.
ولهذا فإن أعظم الكوارث الفكرية لم تبدأ دائمًا بقوة السلاح، بل بدأت بقناعة لم يجرؤ أحد على مراجعتها.
إن الحضارات لا تضعف حين يقل فيها العلم فقط، بل حين يصبح السؤال جريمة، ويصبح الشك المنهجي عيبًا، ويُستبدل البحث عن الحقيقة بالدفاع عن المألوف.
هل الذكاء يحمينا؟
قد يبدو أن الإنسان الأكثر ذكاءً أقل عرضة للوقوع في هذا الفخ.
لكن الدراسات في علم النفس المعرفي تشير إلى نتيجة مدهشة.
فالذكاء لا يمنع الإنسان دائمًا من التحيز.
بل قد يجعله أكثر مهارة في تبرير قناعاته.
فكلما اتسعت قدرته على الجدل، أصبح قادرًا على بناء تفسيرات أكثر تعقيدًا للدفاع عن رأيه.
ولهذا، فإن التواضع الفكري قد يكون أحيانًا أكثر قيمة من الذكاء نفسه.
فالذكاء يجيب عن الأسئلة.
أما التواضع فيختار الأسئلة التي تستحق أن تُطرح.
أصعب جملة في اللغة
هناك جملة قصيرة، لكنها من أثقل الجمل على النفس البشرية:
"كنت مخطئًا."
ليست صعوبتها في الكلمات، بل في معناها.
فالاعتراف بالخطأ يهدم صورة صنعها الإنسان عن نفسه، وربما دافع عنها سنوات.
ومع ذلك، فإن جميع الاكتشافات الكبرى في تاريخ المعرفة بدأت من لحظة قال فيها إنسان:
"ربما كانت فكرتي السابقة ناقصة."
لم يتقدم العلم لأن البشر كانوا دائمًا على صواب.
بل لأنه وُجد بينهم من امتلك شجاعة مراجعة ما كان يظنه يقينًا.
وقفة للتأمل
ليست المشكلة أن يكون للإنسان رأي.
المشكلة أن يصبح الرأي سجنًا، لا يستطيع صاحبه أن يفتح نافذته ليرى ما وراء الجدران.
فكل فكرة، مهما بدت قوية، تستحق بين الحين والآخر أن تُسأل:
هل ما زلت أؤمن بها لأنها صحيحة... أم لأنني اعتدت الدفاع عنها؟
يتبع في الجزء الثالث والأخير...
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق