عندما يصبح الشعور لغةً لا يتقنها العقل ولا تتقبلها الدهماء

إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:




 


     هناك لحظة لا يستطيع الإنسان تحديد تاريخها، ولا يعرف متى بدأت على وجه الدقة، لكنها تعود إليه كلما جلس وحيدًا في نهاية يوم طويل. لحظة يكتشف فيها أن كل ما قاله للآخرين لم يكن سوى نصف الحقيقة، وأن النصف الآخر ظل حبيس الشعور. الكلمات تستطيع أن تصف الأشياء، لكنها كثيرًا ما تعجز عن وصف الإحساس بها. لهذا لم يكن الشعور في تاريخ الإنسان مجرد انفعال عابر، بل كان أول لغة عرفتها الروح قبل أن يتعلم العقل تركيب الجمل وصناعة المنطق.

      منذ آلاف السنين، وقبل أن تصبح الفلسفة علمًا منظمًا، وقف الإنسان يتأمل ذاته كما يتأمل البحر في ليلة هادئة. لم يكن يبحث عن تفسير للنجوم بقدر ما كان يبحث عن تفسير لذلك القلق الذي يسكن صدره كلما نظر إليها. كان السؤال القديم بسيطًا في لفظه، لكنه لا يزال عصيًا في معناه: لماذا نشعر؟

     قد يظن البعض أن الشعور مجرد استجابة لما يحدث حولنا، لكن التجربة الإنسانية تخبرنا بشيء مختلف. قد يقف شخصان أمام المشهد نفسه؛ غروب واحد، مطر واحد، خسارة واحدة، ومع ذلك يعيش كل منهما إحساسًا مختلفًا تمامًا. هنا ندرك أن الشعور لا يسكن الأحداث، بل يسكن الإنسان نفسه.
كان الفيلسوف الإغريقي هيراقليطس يرى أن الكون كله في حالة تغير دائم، وأن الإنسان لا يعبر النهر نفسه مرتين لأن ماءه يتجدد باستمرار. وإذا أسقطنا هذه الفكرة على النفس البشرية، فإن الإنسان أيضًا لا يشعر بالشعور ذاته مرتين. فالحزن الذي عرفناه في العشرين من العمر ليس هو الحزن الذي نزوره في الأربعين، حتى لو كان سببه متشابهًا. الزمن لا يغير الأحداث فقط، بل يعيد تشكيل المشاعر نفسها.

      إن الشعور لا يشبه الحجر الذي يبقى كما هو، بل يشبه الماء؛ يأخذ شكل الإناء الذي يحتويه. فإذا كان القلب واسعًا، اتسع الشعور. وإذا ضاق القلب بالخوف أو الغرور أو اليأس، ضاقت معه كل الأحاسيس حتى تصبح الحياة سلسلة من ردود الأفعال الباردة.

     تأمل طفلًا صغيرًا يرى فراشة لأول مرة. دهشته ليست ناتجة عن جمال الفراشة وحدها، بل لأنه لم يعتد رؤيتها بعد. وبعد سنوات، قد تمر الفراشة نفسها أمام الشخص ذاته دون أن يلتفت إليها. هل تغيرت الفراشة؟ لا. الذي تغير هو الشعور ، وهنا تكمن المفارقة؛ الإنسان لا يفقد الأشياء أولًا، بل يفقد قدرته على الإحساس بها.

     ولعل هذا ما جعل كثيرًا من الحكماء القدماء ينصحون الإنسان بألا يعتاد النعم، لأن الاعتياد يسرق منها بريقها. فالعادة لا تقتل الأشياء، وإنما تقتل دهشتنا تجاهها.
كان فيثاغورس يعتقد أن في الكون نظامًا خفيًا يقوم على الانسجام، وأن كل شيء يتحرك وفق إيقاع لا تدركه الحواس بسهولة. وإذا تأملنا النفس الإنسانية وجدنا أنها هي الأخرى تمتلك إيقاعًا خاصًا؛ فهناك أيام نستيقظ فيها خفيفي الروح دون سبب واضح، وأيام أخرى يثقل فيها القلب رغم أن الحياة لم تتغير كثيرًا.

إننا غالبًا نبحث عن أسباب خارجية لمشاعرنا، بينما يكون جزء كبير منها وليد حوار داخلي لا ننتبه إليه.

     كم من شخص ظن أنه غاضب من الآخرين، ثم اكتشف بعد سنوات أنه كان غاضبًا من نفسه؟

     وكم من إنسان اعتقد أن العالم تغير، بينما الذي تبدل في الحقيقة هو نظرته إلى العالم؟

     إن الشعور يشبه العدسة؛ لا يغير الواقع، لكنه يغير الطريقة التي نراه بها.

     ولذلك فإن أعظم المعارك التي يخوضها الإنسان ليست مع الآخرين، بل مع تفسيره الخاص لما يعيشه. فالحدث الواحد قد يتحول إلى بداية أو نهاية، إلى نعمة أو نقمة، إلى درس أو جرح، بحسب المعنى الذي يمنحه له الإنسان.
يحكى أن رجلًا خسر تجارته كلها في ليلة واحدة، فجلس يبكي أيامًا طويلة، بينما كان ابنه ينظر إلى الخراب نفسه ويقول: "الآن أصبح بإمكاننا أن نبدأ بطريقة أفضل." لم يكن أحدهما أكثر ذكاءً من الآخر، لكن أحدهما رأى النهاية، والآخر رأى البداية.

     وهكذا يعمل الشعور؛ إنه لا ينظر إلى تغير الطريق، لكنه يعمل على تغيير اتجاه الخطوة الأولى، ولأن الإنسان لا يعيش بالعقل وحده، فإن كل القرارات الكبرى في حياته تحمل داخلها نسبة من الشعور، حتى لو غلفها بالمنطق. اختيار الصديق، والبيت، والشريك، والعمل، وحتى المدينة التي يحبها الإنسان... كلها قرارات يظن أنها عقلانية بالكامل، لكنها في أعماقها تبدأ بإحساس يصعب تفسيره.

ولهذا فإن محاولة إلغاء الشعور بدعوى العقلانية ليست قوة، بل خسارة لجزء أصيل من الإنسانية. فالعقل يرشد الطريق، أما الشعور فهو الذي يمنح الرحلة معناها.



                                                  تَليــــد ..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة