الوعي أساس أو استثناء ..؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
ليس أصعب على الإنسان من أن يقف أمام نفسه دون شهود. ففي حضور الآخرين يستطيع أن يمثل، وأن يختار كلماته، وأن يرسم الصورة التي يريدها الناس عنه، لكنه عندما يخلو بنفسه، تسقط الأقنعة واحدًا تلو الآخر، ويبقى السؤال الذي لا يجرؤ كثيرون على الإجابة عنه: هل أعرف نفسي حقًا؟
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة عبر التاريخ. فالإنسان يعرف أسماء المدن، ويستطيع أن يحفظ آلاف الحقائق، ويشرح قوانين الكون، لكنه قد يعجز عن تفسير سبب خوف صغير يرافقه منذ الطفولة، أو سبب حنين لا يعرف مصدره، أو سبب اختياره طريقًا لم يكن يريده منذ البداية.
وهنا يبدأ الوعي.
الوعي ليس أن تفتح عينيك في الصباح، بل أن تفتح بصيرتك لما يحدث داخلك. هناك فرق كبير بين أن ترى العالم، وأن ترى نفسك وأنت ترى العالم. الأولى يشترك فيها الجميع، أما الثانية فهي رحلة لا يخوضها إلا القليل.
كان بارمينيدس يرى أن الحقيقة لا تتبدل، وأن ما يتغير أمام أعيننا قد يخدعنا عن جوهر الأشياء. وربما لو تأمل الإنسان نفسه لوجد أن داخله أيضًا شيئًا ثابتًا، رغم كل التغيرات التي تطرأ على العمر والملامح والظروف. فمنذ طفولته وحتى شيخوخته، يبقى هناك صوت داخلي يشعر أنه هو، حتى وإن تبدلت حياته كلها.
لكن في الجهة الأخرى، وقف هيراقليطس ليقول إن كل شيء في تغير دائم، وإن الثبات مجرد وهم. وبين هاتين الرؤيتين عاش الإنسان حائرًا: هل أنا الشخص نفسه الذي كنت عليه قبل عشر سنوات، أم أنني أصبحت شخصًا آخر يحمل الاسم ذاته؟
ربما تكون الحقيقة بين الاثنين. فهناك شيء في الإنسان يبقى، وشيء آخر لا يتوقف عن التحول. الوعي هو أن تميّز بين ما هو أصيل فيك، وما هو مجرد عادة اكتسبتها مع الأيام.
تأمل شابًا اختار دراسة تخصص لا يحبه لأنه كان حلم عائلته. وبعد سنوات، أصبح ناجحًا في عمله، لكنه يشعر بفراغ لا يستطيع تفسيره. الناس يرونه ناجحًا، بينما هو يشعر أنه يعيش حياة شخص آخر. المشكلة هنا ليست في المهنة، بل في المسافة التي نشأت بين الإنسان وحقيقته.
كم من الناس يعيشون وفق الصورة التي يريدها المجتمع، لا وفق ما تمليه ذواتهم؟
الوعي يبدأ عندما يكتشف الإنسان أن النجاح الذي لا يشبهه قد يكون نوعًا من الخسارة، وأن الطريق الذي يصفق له الجميع قد لا يقوده إلى السلام الداخلي وعندما كان الحكماء القدامى يرون أن الإنسان الذي لا يعرف نفسه، يسهل أن تقوده رغبات الآخرين. فهو يركض لأن الجميع يركضون، ويجمع لأنه يرى الآخرين يجمعون، ويخاف لأنه اعتاد أن يخاف، لا لأنه سأل نفسه يومًا: مم أخاف؟
إن أكثر القيود قوة ليست تلك التي تُصنع من الحديد، بل تلك التي تُصنع من الأفكار الموروثة. فقد يولد الإنسان حرًا، ثم يقضي عمره أسيرًا لعبارات سمعها في طفولته، أو لمقارنات فرضها المجتمع عليه، أو لصورة يظن أنه يجب أن يكونها.
وهنا تظهر أهمية التأمل.
التأمل ليس هروبًا من العالم، بل عودة إلى مركز الذات. إنه تلك اللحظة التي يتوقف فيها الضجيج الخارجي، فيبدأ الإنسان بسماع صوته الحقيقي. وقد يكتشف حينها أن كثيرًا مما كان يسعى إليه لم يكن حاجة حقيقية، بل رغبة زرعها فيه الآخرون دون أن يشعر ، كما يحكى أن رجلًا أمضى سنوات طويلة يجمع المال حتى أصبح من أغنى أهل مدينته. وعندما سأله أحد الحكماء: "وماذا بعد؟" أجاب: "لا أدري، لم أفكر في ذلك." كانت حياته مليئة بالحركة، لكنها خالية من الوعي. لقد عرف كيف يصل، لكنه لم يسأل نفسه يومًا: إلى أين؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يضيع الطريق، بل أن يسير فيه بسرعة كبيرة دون أن يتأكد أنه طريقه هو.
وعلى ضوء ذلك فإن الوعي ليس محطة يصل إليها الإنسان ثم ينتهي الأمر، بل ممارسة يومية. إنه القدرة على مراجعة الأفكار، ومساءلة القناعات، والاعتراف بالأخطاء دون خوف، والتخلي عن ما لم يعد يشبهنا.
ربما كانت أعظم شجاعة يمتلكها الإنسان هي أن يعترف لنفسه بالحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة. لأن الحقيقة التي تؤلم مرة واحدة، أرحم من الوهم الذي يريحنا سنوات ثم يتركنا غرباء عن أنفسنا.
وفي النهاية، يبقى الوعي هو النور الذي يكشف للإنسان أن الحياة ليست سباقًا مع الآخرين، بل رحلة لفهم الذات. فمن عرف نفسه، لم يعد بحاجة إلى أن يثبت قيمته لكل من حوله، لأن أعظم اعتراف يمكن أن يناله، هو أن يعيش منسجمًا مع حقيقته.
تَلـــيد ..
تعليقات
إرسال تعليق