هل الحكمة عبئًا ..؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:




هل يمكن للحكمة أن تكون عبئًا؟

يظن كثيرٌ من الناس أن الحكمة راحة، وأن الحكيم يعيش مطمئن النفس، بعيدًا عن صخب الحياة، كأن المعرفة حصنٌ لا تدخله الرياح.

غير أن التاريخ، وتأمل أحوال البشر، يهمسان بحقيقةٍ أخرى:

كلما اتسعت بصيرة الإنسان، اتسعت معها مساحة ما يشعر به.

إن الحكيم لا يرى الحدث كما يراه غيره.

إنه يرى ما قبله، وما وراءه، وما قد يترتب عليه.

ولهذا، قد يبدو أبطأ في إصدار الأحكام، لا لأنه متردد، بل لأنه يرى من التفاصيل ما لا يراه سواه.

إن الجاهل يحسم أمره سريعًا، لأنه لا يرى إلا وجهًا واحدًا للمسألة.

أما الحكيم، فيرى الوجوه كلها، ولذلك يتأنى.

ومن هنا، قد تبدو الحكمة عبئًا.

فالذي يرى تعقيد النفوس، يصعب عليه أن يكره الناس كراهيةً مطلقة.

والذي يعرف أن الإنسان قد يخطئ تحت ضغط الخوف، أو الفقر، أو الجهل، يصبح أرحم في حكمه، وإن لم يبرر الخطأ.

وليس معنى ذلك أن الحكيم يفقد قدرته على التمييز بين الحق والباطل، بل إنه يدرك أن فهم أسباب الخطأ لا يعني تبرير الخطأ.

وهذه منزلة دقيقة لا يبلغها إلا من جمع بين العدل والرحمة.

ولعل أثقل ما تحمله الحكمة أنها تُسقط عن الإنسان راحة اليقين الساذج.

ففي بدايات العمر، تبدو الأشياء واضحة، والناس أخيارًا أو أشرارًا، والقرارات سهلة، والحق ظاهرًا في كل موقف.

ثم تأتي التجارب.

فتكتشف أن الإنسان قد يجتمع فيه الصدق والكذب.

والشجاعة والخوف.

والكرم والبخل.

والرحمة والقسوة.

ليس لأنه منافق، بل لأنه بشر.

وهنا تبدأ الحكمة في إعادة تشكيل نظرتك إلى العالم.

فتقل الأحكام، ويكثر الفهم.

ويقل الغضب، ويزداد الإنصاف.

ولا يعود همُّك أن تنتصر في كل نقاش، بل أن تقترب من الحقيقة، ولو كلّفك ذلك الاعتراف بأنك كنت مخطئًا.

وربما لهذا السبب، كان الحكماء أقل الناس صخبًا.

ليس لأنهم لا يملكون ما يقولونه، بل لأنهم تعلموا أن كل كلمةٍ تُقال تحمل مسؤولية، وأن الصمت، في بعض المواطن، أصدق من الخطب الطويلة.

إن الحكمة ليست ثوبًا من نورٍ يخلو من التعب.

إنها نورٌ يكشف لك جمال العالم، لكنه يكشف لك أيضًا آلامه.

يجعلك ترى الخير الذي يغفل عنه الناس، كما يجعلك ترى الشر الذي يختبئ خلف المظاهر.

ومن يستطيع أن يرى الأمرين معًا، لا بد أن يحمل في قلبه شيئًا من الثقل.

لكن ذلك الثقل ليس شقاءً.

إنه ثمن البصيرة.

فكما أن العين التي ترى البعيد تبصر أيضًا ما لا يراه غيرها، كذلك العقل الذي اتسعت رؤيته، لا يعود قادرًا على الاحتماء بالبساطة التي كان يعيشها قبل أن يتعلم.

ولهذا، فإن الحكمة لا تمنح الإنسان حياةً أسهل، وإنما تمنحه قدرةً أعمق على فهمها.

ولا تُزيل عنه الألم، لكنها تمنعه من أن يتحول إلى مرارة.

ولا تمنع عنه الخسارة، لكنها تعلمه كيف يخرج منها أكثر إنسانيةً، لا أكثر قسوة.

وهذه، في ظني، أعظم هديةٍ تمنحها الحكمة لصاحبها.

فهي لا تعده بعالمٍ بلا أحزان، وإنما تعده بقلبٍ يعرف كيف يعبر الأحزان، دون أن يفقد نوره.


و

﴿۞اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
[ النور: 35]




                         تليد..



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة