البصيرة... العين التي ترى ما لا تُبصره العيون
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
البصيرة... العين التي ترى ما لا تُبصره العيون
قد يمتلك الإنسان عينين سليمتين، يرى بهما تفاصيل العالم بدقة، لكنه يعجز عن رؤية أقرب الحقائق إليه.
وقد يفقد آخر بصره، لكنه يمتلك من البصيرة ما يجعله يرى الإنسان، والحياة، والزمن، رؤيةً لا يبلغها كثير ممن امتلأت أعينهم بالصور.
ولهذا، لم تكن البصيرة يومًا مرادفًا للبصر.
فالبصر يلتقط ما يقع أمام العين.
أما البصيرة، فتلتقط ما يختبئ خلف الظواهر.
إنها ليست قدرةً على رؤية ما لا يراه الآخرون بالمعنى الغيبي، بل قدرةٌ على فهم ما يراه الجميع ولا ينتبهون إلى معناه.
وهنا يبدأ الفرق.
فالناس جميعًا يرون شجرةً في الخريف.
لكن صاحب البصيرة لا يرى أوراقًا تتساقط فحسب، بل يرى دورة الحياة، ويتذكر أن السقوط قد يكون بدايةً لربيعٍ جديد.
والناس يرون شيخًا انحنى ظهره.
أما صاحب البصيرة، فيرى عمرًا كاملًا من التجارب، والخيبات، والانتصارات، والقرارات التي صنعت هذا الوجه.
إن الأشياء لا تتغير...
لكن طريقة النظر إليها هي التي تتغير.
ولذلك، فإن البصيرة ليست إضافةً إلى العين.
بل إضافةٌ إلى العقل والقلب معًا.
يظن كثير من الناس أن المعرفة وحدها تصنع البصيرة.
غير أن التاريخ يخبرنا بغير ذلك.
فكم من عالمٍ واسع المعرفة، ضيق الرؤية.
وكم من إنسانٍ بسيط، لم يقرأ إلا قليلًا، لكنه فهم الحياة فهمًا عميقًا.
ذلك لأن المعرفة تجيب عن سؤال: "ماذا؟"
أما البصيرة، فتسأل: "لماذا؟"
المعرفة تخبرك أن النار تحرق.
أما البصيرة، فتخبرك متى تقترب منها، ومتى تبتعد.
المعرفة تمنح الإنسان المعلومات.
أما البصيرة، فتعلمه كيف يضع كل معلومة في موضعها.
ولهذا، فإن الإنسان قد يزداد علمًا...
ولا يزداد حكمة.
ومن أين تأتي البصيرة؟
هل تولد مع الإنسان؟
أم يكتسبها؟
ربما تبدأ ببذرةٍ تختلف من شخصٍ إلى آخر، لكنها لا تنضج إلا بالتجربة.
فالإنسان الذي لم يختبر الفقد، قد يصعب عليه أن يدرك قيمة الحضور.
والذي لم يعرف الفشل، قد يسيء فهم الناجحين.
والذي لم يذق الضعف، قد يتسرع في الحكم على الضعفاء.
إن التجارب لا تمنح البصيرة تلقائيًا.
فهناك من يخرج من التجربة أكثر قسوة.
وهناك من يخرج منها أكثر فهمًا.
والفرق ليس في ما حدث لهما...
بل في الطريقة التي تأمل بها كلٌّ منهما ما حدث.
فالبصيرة لا تولد من الألم وحده.
بل من التأمل الصادق في الألم.
ومن أخطر ما يهدد البصيرة أن يظن الإنسان أنه يرى الحقيقة كاملة.
فكلما ازداد يقين المرء بأن فهمه لا يحتمل الخطأ، ضاقت نافذته على العالم.
أما صاحب البصيرة، فيدرك أن رؤيته محدودة، وأن الآخرين قد يرون جوانب غابت عنه.
ولهذا، فهو لا يخلط بين القناعة والتعصب.
ولا بين الثقة بالنفس وإغلاق باب المراجعة.
إن البصيرة لا تعني أن تمتلك جميع الإجابات.
بل أن تعرف حدود إجاباتك.
ولعل أجمل ما تمنحه البصيرة للإنسان، أنها تغيّر طريقته في الحكم على الناس.
فهي تعلمه أن كل إنسان يحمل قصةً لا تظهر على وجهه.
وأن الابتسامة قد تخفي معركةً داخلية.
وأن الغضب قد يكون ستارًا للخوف.
وأن الصمت ليس دائمًا علامة رضا، كما أن كثرة الكلام ليست دائمًا علامة معرفة.
ومن امتلك هذه الرؤية، أصبح أقل استعجالًا في إصدار الأحكام، وأكثر ميلًا إلى الفهم قبل الإدانة.
وللبصيرة علاقةٌ عجيبة بالزمن.
فالإنسان في شبابه يظن أن سرعة القرار قوة.
ثم يكتشف، مع مرور الأيام، أن بعض القرارات تحتاج إلى بطء، وأن بعض الكلمات إذا قيلت في لحظة غضب، احتاجت سنواتٍ حتى يُصلح أثرها.
البصيرة لا تجعل الإنسان أبطأ...
بل تجعله أعمق.
إنها تعلمه أن ليس كل فرصةٍ ينبغي اقتناصها.
وليس كل معركةٍ تستحق أن تُخاض.
وليس كل انتصارٍ مكسبًا.
وقد يسأل سائل:
كيف أعرف أن بصيرتي تنمو؟
الجواب ليس في عدد الكتب التي قرأتها.
ولا في عدد السنوات التي عشتها.
بل في الأسئلة التي بدأت تطرحها على نفسك.
هل أصبحت أكثر استعدادًا لتغيير رأيك إذا ظهر لك دليل أقوى؟
هل صرت أقل اندفاعًا في الحكم على الآخرين؟
هل بتَّ ترى أن لكل إنسان ظروفًا قد لا تعرفها؟
هل أصبحت تفرّق بين الحقيقة وما تتمناه أن يكون حقيقة؟
إن كانت الإجابة تقترب من "نعم"، فربما تكون البصيرة قد بدأت تشق طريقها إليك.
في النهاية، لا يعيش الإنسان بعينيه وحدهما.
بل يعيش بالطريقة التي يفهم بها ما تراه عيناه.
فكم من منظرٍ مرَّ أمام آلاف الناس، ولم يغيّر منهم أحدًا.
ثم مرَّ أمام إنسانٍ واحد، فغيّر حياته كلها.
ليس لأن المشهد كان مختلفًا...
بل لأن البصيرة كانت مختلفة.
وربما لهذا، فإن أعظم ما يمكن أن يطلبه الإنسان في رحلته ليس أن يرى أكثر...
بل أن يفهم أعمق.
فالبصر يمنحك العالم كما يبدو.
أما البصيرة، فتقودك إلى العالم كما يمكن أن يُفهم.
وهناك، في تلك المسافة بين الرؤية والفهم، تبدأ رحلة الإنسان الحقيقية.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق