لماذا تٌخطئ وتستمر في ارتكاب الخطأ ..؟

 إنه بسم  الله الرحمن الرحيم وبعد :





لماذا يستمر الإنسان في الخطأ وهو يعلم أنه مخطئ؟

قد يبدو هذا السؤال متناقضًا.

إذا كان الإنسان يعلم أنه أخطأ، فلماذا لا يتراجع؟

ولماذا نجد من يتمسك بقرار أفسده الزمن، أو برأي هدمته الأدلة، أو بعلاقة يعلم أنها تؤذيه، ثم يواصل السير فيها كأن شيئًا لم يكن؟

المشكلة ليست دائمًا في الخطأ نفسه، بل في الثمن النفسي للاعتراف به.

فالاعتراف بالخطأ قد يعني الاعتراف بأن سنوات من الجهد ذهبت في الاتجاه الخطأ، أو أن صورة الإنسان عن نفسه لم تكن دقيقة، أو أن كبرياءه كان يقوده أكثر مما كانت تقوده الحقيقة.

ولهذا يصبح التراجع مؤلمًا، ليس لأن الحقيقة صعبة، بل لأن الأنا تجد صعوبة في قبولها.

كتب الفيلسوف ميشيل دو مونتين في كتابه المقالات:

"أعظم ما في العالم أن يعرف الإنسان كيف يكون لنفسه."

وليس المقصود أن ينعزل الإنسان عن الناس، بل أن يمتلك الشجاعة لمواجهة نفسه قبل أن يواجه الآخرين.

فالإنسان الذي لا يراجع نفسه، يصبح مع مرور الوقت سجينًا لقراراته السابقة.

الخطأ الذي يتحول إلى عادة

لا يبدأ الانهيار عادةً بخطأ كبير.

بل بخطأ صغير...

ثم بتبريره...

ثم بتكراره...

ثم بالدفاع عنه.

وهنا لا يعود الإنسان أسير الخطأ، بل أسير اعتياده عليه.

وقد لاحظ أرسطو في الأخلاق النيقوماخية أن الأفعال المتكررة تصنع العادات، والعادات تصوغ الشخصية. فالفضائل تُكتسب بالممارسة، وكذلك الرذائل.

ولهذا فإن الخطأ الذي يُكرر دون مراجعة لا يبقى حادثة عابرة، بل قد يتحول إلى جزء من سلوك الإنسان.

الحكمة ليست ألا تخطئ... بل ألا تكرر الخطأ نفسه

كل إنسان يخطئ.

هذه حقيقة لم ينكرها فيلسوف، ولا عالم، ولا مصلح.

لكن الحكماء ميزوا بين نوعين من الأخطاء.

هناك خطأ يوقظ الإنسان.

وهناك خطأ يكرر نفسه حتى يصبح أسلوب حياة.

ولهذا يقول الفيلسوف الإسباني جورج سانتايانا:

"من لا يتذكر الماضي، محكوم عليه أن يكرره."

ورغم أن العبارة قيلت في سياق الحديث عن التاريخ، فإن معناها ينطبق أيضًا على حياة الأفراد.

فالإنسان الذي لا يتعلم من أخطائه، يمنحها فرصة جديدة للعودة.

لماذا نخاف من الاعتراف؟

لأن المجتمع كثيرًا ما يربط بين الاعتراف بالخطأ والضعف.

لكن الحقيقة عكس ذلك.

فالاعتراف يحتاج إلى شجاعة.

أما الإنكار، ففي أحيان كثيرة، لا يحتاج إلا إلى مزيد من التبرير.

ولهذا كان سقراط يرى أن بداية الحكمة هي الاعتراف بحدود المعرفة، وأن أخطر أنواع الجهل هو أن يظن الإنسان أنه لا يمكن أن يكون مخطئًا.

خاتمة 

ليست المشكلة أن نخطئ.

وليست المشكلة أن نندم.

المشكلة أن يتحول الندم إلى إقامة دائمة، وأن يتحول الخطأ إلى هوية.

فالإنسان لا يُولد حكيمًا، وإنما يصير كذلك عندما يتوقف عن الدفاع عن أخطائه، ويبدأ في التعلم منها.

وربما لهذا السبب لا يقاس نضج الإنسان بعدد نجاحاته، بل بعدد المرات التي امتلك فيها شجاعة أن يقول:

"كنت مخطئًا."

فهذه الجملة، على قصرها، كانت بداية أعظم الاكتشافات العلمية، وأصلح القرارات السياسية، وأنضج التحولات الإنسانية عبر التاريخ.

لأن الاعتراف بالخطأ لا يُنقص من قيمة الإنسان، بل يفتح أمامه بابًا لا يُفتح للمتكبرين: باب الحكمة.




                                               تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة