لماذا يفسد بعض الناس بعد أن يمتلكوا القوة؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
ليست القوة هي التي تُفسد الإنسان... بل ما تكشفه داخله
لو كانت القوة سببًا مباشرًا للفساد، لكان كل قوي ظالمًا، وكل صاحب نفوذ مستبدًا، وكل غني متكبرًا. لكن التاريخ ينقض هذه الفكرة في كل عصر؛ فقد عرفت البشرية ملوكًا أقاموا العدل، كما عرفت ملوكًا أغرقوا أوطانهم في الدماء. وعرفت علماء زادهم العلم تواضعًا، وآخرين جعلهم أكثر غرورًا. وعرفت أثرياء جعلوا ثرواتهم وسيلة للعطاء، وآخرين جعلوها أداة للسيطرة.
إذن، ليست القوة وحدها هي التي تحدد مصير الإنسان، بل الإنسان هو الذي يحدد مصير القوة.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: لماذا يفسد بعض الناس عندما يصبحون قادرين على فعل ما يشاؤون؟
النفس لا تتغير فجأة
من الأخطاء الشائعة أننا نظن أن الإنسان يتحول في لحظة واحدة.
لكن النفس البشرية لا تعمل بهذه الطريقة.
الصفات العميقة تنمو بصمت؛ فبذرة الكبر تبدأ صغيرة، وبذرة الطمع تبدأ صغيرة، وكذلك الرحمة والعدل والتواضع.
وحين تأتي القوة، لا تزرع هذه البذور، بل توفر لها البيئة المناسبة لتنمو.
ولهذا يبدو التغير مفاجئًا، بينما هو في الحقيقة نتيجة تراكم طويل لم يكن ظاهرًا.
وهم الاستثناء
من أخطر الأفكار التي ترافق القوة أن الإنسان يبدأ في الاعتقاد بأنه حالة استثنائية.
في البداية يقول لنفسه:
"أنا أفعل هذا من أجل المصلحة."
ثم يقول:
"القوانين لا تناسب ظروفي."
ثم يصل إلى مرحلة أخطر:
"أنا أعرف أكثر من الجميع."
وهنا يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويصبح تجاوز المبادئ أمرًا عاديًا ما دام صاحبه يعتقد أنه مختلف عن الآخرين.
لقد سقط كثير من العظماء ليس لأنهم كانوا أشرارًا منذ البداية، بل لأنهم أقنعوا أنفسهم بأنهم لا يُقاسون بغيرهم.
لماذا يقل التواضع؟
التواضع يحتاج إلى تذكير دائم بأن الإنسان محدود.
لكن القوة تمنح شعورًا معاكسًا.
كل نجاح جديد يوحي لصاحبه بأنه السبب الوحيد فيما وصل إليه، فينسى الظروف، وينسى من ساعده، وينسى أن الحياة مليئة بأشياء لا يستطيع التحكم فيها.
ومتى نسي الإنسان حدوده، بدأ الغرور في احتلال المكان الذي كان يشغله الامتنان.
العزلة التي لا يشعر بها الأقوياء
كلما ارتفع الإنسان، قلَّ عدد من يخاطبه بصدق.
فالمحيطون به قد يخافون خسارة مكانتهم، أو يطمعون في رضاه، أو يظنون أن معارضته لا فائدة منها.
وبمرور الوقت، يعيش القوي داخل دائرة مغلقة يسمع فيها ما يحب سماعه فقط.
وهذا أخطر أنواع العزلة؛ لأنها لا تعزل الإنسان عن الناس، بل تعزله عن الحقيقة.
لماذا يبقى بعض الناس صالحين؟
لأنهم لا ينظرون إلى القوة على أنها دليل تفوق، بل على أنها زيادة في المسؤولية.
كلما اتسعت قدرتهم، اتسع شعورهم بالمحاسبة.
إنهم يدركون أن المنصب قد ينتهي، وأن المال قد يضيع، وأن الشهرة قد تختفي، لكن الأثر الذي يتركونه في حياة الناس قد يبقى طويلًا.
ولهذا لا يسألون أنفسهم:
"ماذا أستطيع أن أفعل؟"
بل يسألون:
"ماذا ينبغي أن أفعل؟"
وهذا هو الفرق بين من تحكمه القدرة، ومن تحكمه المبادئ.
القوة والضمير
قد يظن الإنسان أن الضمير صوت داخلي ثابت، لكنه في الحقيقة يحتاج إلى أن يُغذى باستمرار.
فإذا اعتاد المرء تبرير أخطائه، ضعف صوت ضميره شيئًا فشيئًا.
والخطر أن القوة تجعل التبرير أسهل؛ لأن نتائج القرارات قد لا تعود إليه وحده، بل يتحملها الآخرون.
ومن هنا تبدأ المسافة بين الإنسان ونفسه، حتى يصل إلى مرحلة لا يرى فيها ظلمه ظلمًا، بل يراه ضرورة.
الخاتمة
إن فساد الإنسان بعد القوة ليس قدرًا محتومًا، كما أن الصلاح ليس مصادفة.
كلاهما نتيجة لما بناه الإنسان في نفسه قبل أن يصبح قويًا.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل إنسان على نفسه ليس:
"هل سأمتلك القوة يومًا؟"
بل:
"إذا امتلكتها، أي نسخة مني ستظهر؟"
فالقوة ليست امتحانًا للقدرة، بل امتحان للضمير.
وكلما ازدادت سلطة الإنسان على الآخرين، أصبح أكثر حاجة إلى سلطةٍ على نفسه؛ لأن النفس التي لا يحكمها صاحبها، ستقوده في النهاية إلى أن يظن أن امتلاك القوة يعني امتلاك الحق، مع أن التاريخ كله يشهد بأنهما ليسا الشيء نفسه.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق