لماذا ينجذب الإنسان إلى القوة رغم أنه يعرف أنها قد تفسده؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد :
منذ أن وعى الإنسان نفسه، وهو يسعى إلى امتلاك شيء يمنحه القدرة على التأثير في العالم من حوله. مرةً يبحث عنها في المال، ومرة في السلطة، ومرة في العلم، ومرة في الشهرة. تختلف الوسائل، لكن الغاية تكاد تكون واحدة: أن يصبح أكثر قدرة مما كان عليه بالأمس.
والغريب أن الإنسان يعرف جيدًا أن القوة قد تُفسده، وأن التاريخ مليء بأشخاص أسقطتهم السلطة بعد أن رفعتهم، ومع ذلك لا يتوقف عن السعي إليها.
فما السر؟
هل لأن الإنسان يحب السيطرة بطبيعته؟ أم لأن القوة تُشبع حاجة أعمق من مجرد التحكم بالآخرين؟
الإنسان لا يبحث عن القوة... بل عما يظنه خلف القوة
عندما ننظر بعمق، نكتشف أن معظم الناس لا يريدون القوة لذاتها.
فالفقير لا يريد المال لأنه يحب الأوراق النقدية، بل لأنه يظن أن المال سيمنحه الأمان.
والسياسي لا يسعى دائمًا إلى المنصب لأنه يعشق الكرسي، بل لأنه يرى فيه وسيلة للتأثير.
والباحث لا يطلب العلم من أجل المعلومات وحدها، بل لأنه يبحث عن فهمٍ أوسع للعالم.
القوة في جوهرها ليست هدفًا، بل وعدٌ بشيء آخر.
ولهذا تختلف دوافع الناس إليها، رغم تشابه الوسائل.
الخوف... أول أبواب القوة
من أكثر الدوافع التي لا ينتبه إليها الإنسان هو الخوف.
فالطفل الذي عاش ضعيفًا قد يحلم يومًا بأن يصبح قويًا حتى لا يؤذيه أحد.
والفقير الذي ذاق الحاجة قد يسعى إلى ثروة لا تنتهي خوفًا من العودة إلى ما كان عليه.
ومن تعرض للإهانة قد يجعل السلطة وسيلته لتعويض ما فقده من كرامة.
وهكذا تتحول القوة، في كثير من الأحيان، إلى محاولة للهروب من الماضي.
لكن الماضي لا يختفي دائمًا بمجرد امتلاك النفوذ، بل قد ينتقل مع الإنسان إلى مكانته الجديدة.
وهم السيطرة الكاملة
يحب الإنسان أن يشعر بأنه يمسك بزمام حياته.
لكن الحقيقة أن الحياة لا تسمح لأحد بالسيطرة الكاملة.
قد يملك الإنسان المال ويخسر صحته.
وقد يصل إلى أعلى المناصب ثم يفقد أقرب الناس إليه.
وقد يصبح مشهورًا بينما يعيش عزلة لا يراها أحد.
ومع ذلك، يبقى وهم السيطرة من أقوى دوافع السعي إلى القوة.
لأن العقل يربط بين امتلاك القدرة وبين القدرة على تجنب الألم، بينما الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.
لماذا لا يكتفي الإنسان بما وصل إليه؟
لأن النفس البشرية تعتاد.
ما كان حلمًا بالأمس يصبح اليوم أمرًا عاديًا.
ثم يظهر حلم جديد.
ولهذا لا تقف الرغبة في القوة عند حد.
فمن امتلك نفوذًا صغيرًا، أراد نفوذًا أكبر.
ومن امتلك ثروة كبيرة، خشي أن يفقدها، فسعى إلى المزيد.
وهنا لا تصبح القوة وسيلة، بل تتحول إلى غاية لا تنتهي.
القوة ليست المشكلة
القوة، في ذاتها، ليست فضيلة ولا رذيلة.
إنها أشبه بالنار.
قد تُدفئ بيتًا في ليلة باردة، وقد تُحرق مدينة كاملة.
والفرق ليس في النار، بل في اليد التي تستخدمها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
"هل ينبغي أن نطلب القوة؟"
بل:
"لماذا نطلبها؟"
فالنية التي تدفع الإنسان إلى القوة تحدد غالبًا الطريقة التي سيستخدمها بها عندما يصل إليها.
حين تصبح القوة عبئًا
هناك لحظة يكتشف فيها بعض الأقوياء أن ما سعوا إليه سنوات طويلة لم يمنحهم الراحة التي توقعوها.
فالمنصب يحتاج إلى حماية.
والثروة تحتاج إلى إدارة.
والشهرة تحتاج إلى المحافظة على الصورة.
وهكذا تتحول القوة، التي ظنها الإنسان بابًا للحرية، إلى مسؤولية ثقيلة قد تسلبه جزءًا من حريته.
ومن هنا نفهم لماذا اختار بعض العظماء عبر التاريخ أن يتركوا المناصب طواعية، بعدما أدركوا أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك من سلطة، بل بما يبقى منه عندما تزول تلك السلطة.
أعظم قوة
ربما أخطأنا طويلًا حين ظننا أن القوة تعني القدرة على تغيير الآخرين.
فالإنسان قد ينجح في قيادة أمة، ويعجز عن قيادة نفسه.
وقد يفرض أوامره على الآلاف، لكنه لا يستطيع أن ينتصر على شهوة، أو غضب، أو كبر يسكن قلبه.
ولهذا قال الحكماء إن أصعب الانتصارات ليس الانتصار في المعارك، بل الانتصار على النفس.
فالنفس لا تهزمها الجيوش، ولا تخضعها القوانين، وإنما يهذبها الوعي، ويقوّيها الضمير.
خاتمة
ليس السؤال: لماذا ينجذب الإنسان إلى القوة؟
فالإنسان سيظل يبحث عنها ما دام يبحث عن الأمان، والتأثير، وتحقيق ذاته.
لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو:
هل نمتلك القوة، أم تمتلكنا هي؟
فما أكثر الذين سعوا إليها ظانين أنهم سيقودونها، فإذا بها تقودهم، وما أكثر الذين جعلوا منها وسيلة لخدمة الناس، فبقي أثرهم بعد أن زالت مناصبهم.
إن القوة لا تمنح الإنسان قيمته، وإنما تمنحه فرصة ليكشف قيمته الحقيقية. فمن جعلها طريقًا للعدل، ارتفع بها، ومن جعلها طريقًا للتكبر، سقط بها، ولو بدا في أعين الناس منتصرًا.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق