كيف يتعامل العقل مع الفراغ ..؟ من أخطر ما تقرأ
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
كيف يتعامل العقل مع الفراغ؟
ليس كل فراغٍ يُرى بالعين.
فهناك فراغٌ أخطر من فراغ المكان، وأشدُّ وطأةً من فراغ الجيوب، وأعمق أثرًا من فراغ الزمن.
إنه فراغ المعرفة.
ذلك الفراغ الذي يولد عندما لا يجد العقل تفسيرًا لما يحدث حوله.
ولعل الإنسان لم يُخلق ليخاف المجهول كما يظن، بل خُلق عقله بحيث يعجز عن احتمال الفراغ طويلًا.
إن العقل لا يحتمل أن تبقى الأبواب مواربة.
ولا يطيق أن تنتهي الجملة بنقاطٍ معلقة.
ولا يرتاح لسؤالٍ بلا جواب.
ولهذا، إذا غاب التفسير، لم ينتظر العقل طويلًا...
بل اخترع تفسيرًا.
وهنا تبدأ واحدةٌ من أعجب الظواهر الإنسانية.
فالإنسان لا يكذب على نفسه دائمًا لأنه يريد الكذب، بل لأنه يريد أن يملأ الفراغ.
إن العقل أشبه بمهندسٍ لا يحتمل رؤية حفرةٍ في الطريق، فيسارع إلى ردمها بأي شيء، حتى لو لم يكن صالحًا للبناء.
ولهذا تنتشر الشائعات أسرع من الحقائق.
لا لأنها أقوى.
بل لأنها تصل قبل الحقيقة إلى الفراغ.
فالعقل لا يحب الأماكن الخالية.
إذا تأخر صديقك عن موعده، ولم يرسل رسالة، بدأ عقلك ينسج القصص.
لعله غاضب.
لعله نسي.
لعله تعمد.
لعله أصابه مكروه.
والمثير للدهشة أن هذه القصص لا تحتاج إلى دليل.
إنها تحتاج فقط إلى غياب المعلومة.
ولو أخبرك بعد دقائق أن بطارية هاتفه قد نفدت، لتبخرت جميع الروايات التي شيدها عقلك في لحظات.
فماذا حدث؟
هل تبدلت الحقيقة؟
لا.
الذي تبدل هو أن الفراغ امتلأ.
ومن هنا، يمكن أن نفهم جانبًا من طبيعة الإنسان.
إنه لا يبحث عن الحقيقة أولًا.
بل يبحث عن نهاية الحيرة.
ولهذا قد يفضِّل جوابًا ناقصًا على سؤالٍ يظل مفتوحًا.
وقد يتعلق بفكرةٍ ضعيفة، لأنها تمنحه شعورًا مؤقتًا باليقين.
بل قد يدافع عنها بعناد، لا لأنها صحيحة، بل لأنه يخشى العودة إلى الفراغ الذي خرج منه.
وربما لهذا السبب، كان الانتظار من أثقل التجارب على النفس.
فالمريض ينتظر نتيجة الفحص، فيتعب من الانتظار أكثر مما يتعب من النتيجة نفسها.
والأم تنتظر عودة ابنها، فتُرهقها الاحتمالات قبل أن يرهقها الواقع.
والتاجر ينتظر قرارًا، فيستهلكه التفكير قبل أن يستهلكه القرار.
ليس لأن المستقبل مؤلم بالضرورة...
بل لأن العقل لا يستطيع أن يعيش طويلًا في منطقةٍ بلا تفسير.
وهنا تظهر مفارقةٌ تستحق التأمل.
فالإنسان قد يفضِّل حقيقةً قاسيةً على غموضٍ مريح.
لأن الحقيقة، مهما كانت موجعة، تمنحه أرضًا يقف عليها.
أما الغموض، فيسحب من تحت قدميه الشعور بالثبات.
ومن يدري...
لعل أكثر ما يرهق الإنسان في حياته ليس ما يعرفه، ولا ما يجهله، وإنما تلك المسافة المعلقة بينهما؛ حيث لا حقيقةٌ اكتملت، ولا وهمٌ انكشف، ولا قلبٌ استطاع أن يطمئن.
هناك...
يبدأ العقل في صناعة العوالم.
وقد تكون هذه أعظم نعمةٍ أُوتيها الإنسان حين تقوده إلى الاكتشاف.
وقد تكون أعظم مصائبه حين تقوده إلى الوهم.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس:
كيف يفكر الإنسان؟
بل:
ماذا يفعل العقل عندما لا يجد ما يفكر فيه؟
فربما كانت الإجابة عن هذا السؤال مفتاحًا لفهم نصف ما يفعله البشر.
العقل لا يحتمل الفراغ... لأنه صُمِّم لإكمال الناقص
لعل الإنسان لم ينتبه إلى أن عقله لا يحب الأشياء المكتملة بقدر ما يحب إكمال ما لم يكتمل.
ولهذا السبب، إذا قرأت قصةً قُطع آخرها، بقيت النهاية تطاردك.
وإذا سمعت نصف حديث، ظل عقلك يبحث عن النصف الآخر.
وإذا رأيت سلوكًا لا تجد له تفسيرًا، لم يهدأ ذهنك حتى يصنع له سببًا، ولو كان ذلك السبب وهمًا.
إن العقل لا يرى الفراغ كما نراه.
نحن نراه غيابًا.
أما هو، فيراه خللًا ينبغي إصلاحه.
ولذلك، فهو لا ينتظر الحقيقة دائمًا، بل يبدأ ببنائها من الشظايا.
يجمع نظرةً عابرة.
وكلمةً مبتورة.
وصمتًا طويلًا.
وابتسامةً غامضة.
ثم ينسج منها روايةً كاملة، كأنما كان حاضرًا جميع أحداثها.
والمفارقة أن أكثر تلك الروايات لا تُبنى على ما حدث فعلًا، بل على ما يخشاه الإنسان أو يتمناه.
فالخائف يرى في الصمت تهديدًا.
والمحب يرى فيه اشتياقًا.
والمتكبر يراه احتقارًا.
والمطمئن قد لا يراه شيئًا أصلًا.
والصمت واحد...
لكن العقل لم يملأ الفراغ بالحقيقة، بل ملأه بنفسه.
وهنا يكمن أحد أخطر الأسرار.
إن الإنسان لا يرى العالم كما هو.
بل يرى العالم بعد أن يمر عبر مرشحات ذاكرته، وخبراته، وآلامه، وآماله.
ولهذا قد يقف شخصان أمام الحادثة نفسها، ثم يخرجان منها بقصتين مختلفتين تمامًا.
ليس لأن الواقع تغيَّر...
بل لأن الفراغ الذي تركه الواقع، ملأه كل واحدٍ منهما بطريقته.
وربما لهذا السبب، كانت أكثر الخصومات تبدأ بما لم يُقل، لا بما قيل.
وبما ظنه الإنسان، لا بما علمه.
وبما أكمله عقله، لا بما حدث على الحقيقة.
إن الكلمة قد تنتهي عند لسان قائلها، لكنها تبدأ حياةً أخرى في عقل سامعها.
هناك تُفسَّر.
وتُزاد عليها الظنون.
وتُحذف منها المقاصد.
ثم تعود إلى صاحبها في صورةٍ لم يقلها قط.
فكم من علاقةٍ هدمها تفسير، لا حقيقة.
وكم من قلبٍ امتلأ بالحزن، لأن العقل سدَّ فراغًا لم يكن يحتاج إلا إلى سؤالٍ واحد.
ولو أن الإنسان تعلَّم أن يترك بعض الفراغات فارغة، حتى تأتي الحقيقة فتملأها، لاختفى كثيرٌ من سوء الظن، ولنجا من معارك خاضها مع قصصٍ كتبها عقله، ولم يكتبها الواقع.
ولعل من أول علامات النضج، أن يدرك الإنسان أن ليس كل فراغٍ يجب أن يُملأ فورًا.
فبعض الفراغات لا يليق بها إلا الصبر.
وبعض الأسئلة يفسدها الجواب المتعجل.
وبعض الحقائق تحتاج إلى زمن، لا إلى خيال.
وهنا فقط، يتعلم العقل أصعب درسٍ في حياته:
أن الشجاعة ليست دائمًا في أن يجد تفسيرًا...
بل في أن يحتمل، لبعض الوقت، ألا يجد تفسيرًا.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق