لماذا لا يلاحظ الإنسان أعظم التغيرات إلا بعد فوات الأوان؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:





لماذا نهتم بالعاصفة وننسى الريح؟ (الجزء الثاني)

إذا هبت عاصفة قوية، توقفت المدن، وتصدرت الأخبار، وانشغل الناس بالحديث عنها.

لكن الرياح التي تهب كل يوم لا يلتفت إليها أحد، مع أنها هي التي تغيّر شكل الصخور، وتنقل الرمال، وتعيد رسم ملامح الأرض عبر الزمن.

وهذا ما يفعله الإنسان في حياته أيضًا.

إنه ينتبه إلى القرار الكبير.

لكنه لا ينتبه إلى العادة الصغيرة التي تسبق ذلك القرار بسنوات.

وينتبه إلى لحظة النجاح.

لكنه لا يرى مئات الأيام العادية التي صنعتها.

وينشغل بلحظة الانهيار.

بينما يغفل عن آلاف التنازلات الصغيرة التي مهدت لها.

ولهذا، فإن الأحداث الكبرى كثيرًا ما تكون النتيجة، لا البداية.

أما البداية الحقيقية، فقد مرت بهدوء حتى لم يلاحظها أحد.


أكبر الأخطاء تبدأ وهي صغيرة

نادراً ما تبدأ المشكلات كبيرة.

فالشجرة العملاقة كانت بذرة.

والحريق الهائل بدأ بشرارة.

والهوة بين شخصين بدأت بحوار مؤجل، أو اعتذار لم يُقدَّم، أو اهتمام تراجع قليلًا.

إن الإنسان يطمئن إلى الأشياء الصغيرة لأنها لا تبدو خطيرة.

لكنه ينسى أن الزمن لا يقيس حجم البداية.

بل يقيس استمرارها.

ولهذا، فإن ما يتكرر كل يوم، ولو كان ضئيلاً، قد يصبح بعد سنوات أقوى من حدث واحد هز الحياة كلها.


لماذا يفاجئنا المستقبل؟

كثيرًا ما نسمع من يقول:

"لم أتوقع أن أصل إلى هذه المرحلة."

لكن المستقبل نادرًا ما يفاجئنا من العدم.

إنه يصل إلينا على هيئة خطوات صغيرة لم نعطها أهمية في وقتها.

فالطالب لا يرسب في ليلة الامتحان وحدها.

والشركة لا تفشل في يوم واحد.

والصحة لا تضعف بين مساء وصباح.

في معظم الأحيان، تكون النتيجة الأخيرة مجرد إعلان لما كان يحدث منذ زمن طويل.

لكننا لم نره، لأن أعيننا كانت تبحث عن التغيير الكبير، بينما كان التغيير الحقيقي يتقدم بخطوات هادئة.


هل يمكن أن نتعلم رؤية التغيير قبل اكتماله؟

ربما لا يستطيع الإنسان أن يوقف الزمن.

لكنه يستطيع أن يغيّر الطريقة التي ينظر بها إليه.

فبدل أن يسأل:

"ماذا تغير اليوم؟"

قد يكون السؤال الأفضل:

"ما الشيء الصغير الذي يتكرر منذ مدة؟"

لأن التكرار هو اللغة التي يتحدث بها الزمن.

والعادات، والأفكار، والعلاقات، والمجتمعات، لا تتبدل بالقفزات.

بل بما يتكرر حتى يصبح جزءًا من الواقع.

وحين يتعلم الإنسان ملاحظة هذه الإشارات الصغيرة، يصبح أكثر قدرة على فهم ما سيأتي، بدل الاكتفاء بالدهشة عندما يصل.


الخاتمة

لعل أعظم خدعة يمارسها الزمن علينا، أنه لا يرفع صوته.

إنه لا يعلن عن نفسه.

ولا يطلب انتباهنا.

بل يعمل بصبر لا يعرف التوقف.

ولهذا، فإن أعظم التغييرات في حياتنا ليست تلك التي تقتحم الأبواب.

بل تلك التي تدخل من النوافذ المفتوحة كل يوم.

إن العمر، والمعرفة، والعلاقات، والحضارات، وحتى الشخصيات، لا تتشكل في لحظة واحدة.

بل في تفاصيل صغيرة، تتكرر حتى تصبح مصيرًا.

ولهذا، فإن الإنسان لا يكتشف دائمًا أن العالم قد تغير.

بل يكتشف، بعد سنوات، أنه هو الذي أصبح ينظر إلى عالم مختلف.


وقفة أخيرة

ربما لا نستطيع أن نرى الزمن وهو يعمل.

لكننا نستطيع أن ننتبه إلى آثاره قبل أن تتراكم.

فليست كل بداية تستحق الخوف.

وليست كل نهاية جاءت فجأة.

وبين البداية والنهاية، يعيش قانون هادئ لا يكاد يراه أحد:


أن أعظم ما يغيّر الحياة... لا يحدث دفعة واحدة، بل يحدث قليلًا... كل يوم.



فـ لا إله إلا هو الله الواحد الأحد الثابت وكل ماعداه مُتعدد ومُتغير ..




                                     تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة