لماذا لا يلاحظ الإنسان أعظم التغيرات إلا بعد فوات الأوان؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:





لماذا لا يلاحظ الإنسان أعظم التغييرات إلا بعد فوات الأوان؟

الجزء الثالث: عندما يصبح الغياب أكثر وضوحًا من الحضور

هناك مفارقة غريبة في النفس البشرية.

نحن لا نرى الشيء وهو يتغير، بل نراه بعد أن يصبح مختلفًا تمامًا.

لا تلاحظ أن صوت والدك أصبح أهدأ عامًا بعد عام، حتى تسمع تسجيلًا قديمًا فتكتشف أن الرجل الذي كان يملأ المكان قوةً، صار يتحدث بهدوء لم تنتبه إليه.

لا تلاحظ أن والدتك أصبحت تتحرك ببطء، لأنها كانت تتباطأ كل يوم بنسبة لا تكاد تُرى.

لا تلاحظ أن ملامح وجهك تغيرت، لأن المرآة تعرض عليك نسخة الأمس، لا نسخة السنوات.

العقل لا يقارن بين اليوم والأمس فقط، بل يبني إحساسًا بالاستمرارية، فيخدعك بأن كل شيء كما كان.

ولهذا تكون الصدمة دائمًا مؤجلة.


تخيل أنك تسير في صحراء.

كل دقيقة تخطو خطوة واحدة فقط.

لن تشعر أنك ابتعدت.

لكن لو التفت بعد ساعات، ستجد الجبل الذي بدأت منه أصبح نقطة صغيرة في الأفق.

أنت لم ترَ الابتعاد...

رأيته فقط عندما أصبح كبيرًا بما يكفي.

وهكذا تعمل الحياة.


حتى العلاقات.

لا تنهار في يوم واحد.

بل تتآكل بصمت.

رسالة أقل.

مكالمة أقصر.

ضحكة أقل.

اهتمام أقل.

ثم يأتي يوم يقول فيه أحد الطرفين:

"لقد تغيرنا."

والحقيقة أن التغيير بدأ منذ زمن بعيد، لكن أحدًا لم يكن ينظر.


الأمر نفسه يحدث مع الأحلام.

لا يستيقظ الإنسان فجأة ليجد حلمه قد مات.

بل يؤجله اليوم.

ثم يؤجله غدًا.

ثم الشهر القادم.

ثم السنة القادمة.

إلى أن يكتشف أن الحلم لم يمت...

بل تُرك وحيدًا حتى ذبل.


العجيب أن الإنسان لا يخاف من التغيرات الكبيرة.

إنه يخاف من الصغيرة لأنها غير مرئية.

فما نراه نستعد له.

أما ما لا نراه، فإنه يعبر من خلالنا دون أن نستشعره.

ولهذا كانت أخطر التحولات في التاريخ تبدأ بخطوات تبدو تافهة.

وكذلك أخطر التحولات داخل الإنسان.


ربما لهذا السبب يلتقط المصورون الصور.

ويكتب البعض اليوميات.

ويحتفظ آخرون بالرسائل القديمة.

ليس لأنهم يعيشون في الماضي...

بل لأن الماضي هو المرآة الوحيدة التي تكشف مقدار التغيير الذي لم ننتبه إليه.


وفي النهاية...

قد لا تكون المشكلة أن الحياة تتغير بسرعة.

بل أن أعيننا صُممت لتعتاد.

والاعتياد نعمة حين يخفف الألم...

لكنه يصبح نقمة عندما يجعلنا نفقد القدرة على رؤية أجمل الأشياء وهي تكبر، أو أثمن الأشياء وهي ترحل.

لذلك، ربما يستحق الأمر أن نتوقف بين الحين والآخر، لا لنغير حياتنا فورًا، بل لنسأل سؤالًا بسيطًا:


ما الذي يتغير أمامي الآن... ولن أدرك قيمته إلا بعد سنوات؟






                                تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة