لماذا لا يلاحظ الإنسان أعظم التغيرات إلا بعد فوات الأوان؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:





لماذا لا يلاحظ الإنسان أعظم التغييرات إلا بعد فوات الأوان؟

الجزء الرابع: الزمن لا يسرقنا... بل يمر من خلالنا

نحن نلوم الزمن كثيرًا.

نقول إنه سرق شبابنا، وخطف أحلامنا، وأخذ منا من نحب.

لكن الزمن لا يحمل يدًا تمتد لتسرق شيئًا.

إنه يفعل أمرًا أكثر هدوءًا، وأكثر دهاءً.

إنه يمر.

أما نحن، فننشغل بما يمر معنا.


تخيل أنك تقف على شاطئ بحر.

كل موجة تبدو صغيرة، حتى إنك لا تعيرها اهتمامًا.

لكن بعد ساعات، تكتشف أن الصخور الصلبة نفسها قد تغير شكلها.

لم يكن هناك انفجار، ولا عاصفة، ولا قوة هائلة.

فقط موجات متكررة، لا تتوقف.

هكذا يعمل الزمن على الإنسان.

ليس بضربة واحدة، بل بألف لمسة لا نشعر بها.


الأفكار أيضًا تتغير بالطريقة نفسها.

قد تسمع رأيًا اليوم وترفضه تمامًا.

ثم تسمعه مرة أخرى بعد شهر.

ثم تراه في فيلم.

ثم تقرأ عنه في كتاب.

ثم يناقشه صديق.

وفجأة، بعد سنوات، يصبح جزءًا من قناعاتك.

قد تظن أنك غيّرت رأيك في لحظة.

لكن الحقيقة أن التغيير كان يتشكل بصمت، طبقة فوق طبقة.


والشخصية ليست استثناء.

لا أحد يستيقظ صباحًا وقد أصبح شخصًا آخر.

لكن كل موقف، وكل خيبة، وكل نجاح، وكل كلمة تشجيع أو إحباط، تترك أثرًا صغيرًا.

قد يبدو الأثر تافهًا وحده.

إلا أن آلاف الآثار الصغيرة هي التي تصنع الشخص الذي نكونه لاحقًا.

ولهذا يصعب أحيانًا أن نتعرف إلى أنفسنا القديمة.


المفارقة أن الإنسان يستطيع أن يتذكر الأحداث الكبرى بدقة.

يتذكر يوم التخرج.

وأول وظيفة.

ويوم الزواج.

ويوم الفراق.

لكنه لا يتذكر الأيام العادية.

مع أن تلك الأيام العادية هي التي صنعت حياته فعلًا.

فنحن لا نتشكل في المناسبات النادرة.

بل في تفاصيل الأيام التي ظننا أنها لن تعني شيئًا.


ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يقوله الإنسان لنفسه هو:

"لا بأس... يوم واحد لن يغيّر شيئًا."

لأن الحياة لا تُبنى بيوم واحد.

ولا تنهار بيوم واحد.

إنها تتكوّن من تراكم الأيام التي اعتبرناها غير مؤثرة.


هناك حقيقة بسيطة، لكنها ثقيلة.

أنت في هذه اللحظة، حتى وأنت تقرأ هذه الكلمات، تتغير.

ليست ملامحك فقط.

بل نظرتك، وذاكرتك، وعلاقاتك، وطريقة فهمك للعالم.

وربما بعد سنوات، ستعود إلى فكرة كنت تؤمن بها اليوم، فتبتسم لأنك لم تعد الشخص نفسه.

ليس لأنك كنت مخطئًا بالضرورة...

بل لأن الزمن علّمك أشياء لم تكن تعرفها بعد.


ربما لهذا لا يكون السؤال الأهم:

"كم مرّ من الوقت؟"

بل:

"ماذا فعل بي هذا الوقت وأنا منشغل بعدِّ الأيام؟"

فهناك من تمر عليه السنوات فيزداد عمقًا، واتزانًا، ورحمة.

وهناك من تمر عليه السنوات نفسها، لكنها تتركه أكثر قسوة، أو أكثر خوفًا، أو أكثر استسلامًا.

الزمن واحد...

لكن أثره يختلف باختلاف ما نسمح له أن يزرعه في داخلنا.


وعندما ندرك ذلك، يتغير معنى العمر كله.

فلا يعود النجاح أن نضيف سنوات إلى حياتنا.

بل أن نضيف حياةً إلى سنواتنا.

وأن ننتبه، قبل فوات الأوان، إلى تلك التغييرات الصغيرة التي تصنع في النهاية الإنسان الذي سنكونه.

لأن أعظم التحولات لا تأتي وهي تطرق الباب بصوت مرتفع...

بل تدخل بهدوء، وتجلس إلى جوارنا، حتى نظن أنها كانت هنا منذ البداية.






                              تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة