لماذا لا يلاحظ الإنسان أعظم التغيرات إلا بعد فوات الأوان؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:






لماذا لا يلاحظ الإنسان أعظم التغييرات إلا بعد فوات الأوان؟

الجزء الخامس: الشيء الوحيد الذي يستحق أن تنتبه إليه

لو كان بإمكانك العودة عشر سنوات إلى الوراء...

فلن يكون أكثر ما سيفاجئك شكل المدن، ولا تطور التكنولوجيا، ولا حتى تغير وجوه الناس.

أكثر ما سيفاجئك...

هو أنت.

ستنظر إلى طريقة تفكيرك القديمة فتبتسم.

إلى الأشياء التي كانت تقلقك فتتعجب.

إلى الأحلام التي كنت تراها مستحيلة، وبعضها تحقق.

وإلى أشياء كنت تظنها أبدية، ثم اختفت دون أن تستأذن.

ستكتشف أن الإنسان لا يعبر الزمن فقط...

بل يعبر نفسه أيضًا.


نحن نعتقد أن حياتنا تُقاس بالأعوام.

لكن الحقيقة أنها تُقاس باللحظات التي غيّرتنا.

بلقاء لم يكن في الحسبان.

بكتاب وقع في أيدينا في الوقت المناسب.

بكلمة قالها شخص ثم نسيها، بينما بقيت معنا سنوات.

أو بخيبة دفعتنا إلى أن نصبح أشخاصًا مختلفين.

ليس كل ما يغيّر حياتك يبدو عظيمًا حين يحدث.

بل إن أكثر الأحداث تأثيرًا تبدو، في لحظتها، عادية للغاية.


ولهذا، فإن الانتباه ليس رفاهية.

إنه مهارة للحياة.

أن تلاحظ من تحب قبل أن يبتعد.

أن تشكر من يقف إلى جوارك قبل أن يغيب.

أن تعتني بجسدك قبل أن يذكّرك بالألم.

أن تمنح أحلامك وقتًا قبل أن تتحول إلى حسرة.

وأن تتوقف أحيانًا وسط صخب الأيام لتسأل نفسك:

"هل أعيش حياتي... أم أؤجلها؟"


ربما لن نستطيع إيقاف الزمن.

ولن نستطيع منع التغيير.

لكننا نستطيع أن نمنع أنفسنا من العيش على الطيار الآلي.

أن نرى التفاصيل قبل أن تصبح ذكريات.

أن ننتبه إلى الضحكات وهي تُقال، لا بعد أن تتحول إلى تسجيلات قديمة.

أن نعانق اللحظات وهي حاضرة، لا بعد أن نصبح نبحث عنها في الصور.


هناك عبارة منسوبة إلى الفيلسوف اليوناني هرقليطس تقول:

"لا يمكنك أن تعبر النهر نفسه مرتين."

ليس لأن النهر تغيّر وحده...

بل لأنك أنت أيضًا لم تعد الشخص نفسه.

وهذه هي الحقيقة التي نقاومها طوال حياتنا.

نحن نتغير باستمرار، حتى عندما نظن أننا ثابتون.


لعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان، ليس أن يطارد الزمن...

ولا أن يخاف منه...

بل أن يصادقه.

أن يفهم أن كل مرحلة لها جمالها، وكل عمر له حكمته، وكل نهاية تحمل بداية أخرى.

فالطفولة ليست أفضل من الشباب.

والشباب ليس أفضل من النضج.

والنضج ليس إعلانًا لنهاية الحياة.

إنها فصول مختلفة من الكتاب نفسه.

والمشكلة ليست في انتقال الصفحة...

بل في أن ننشغل بالتذمر حتى ننسى قراءة ما كُتب فيها.


وفي النهاية...

ربما لا تكون المأساة أن كل شيء يتغير.

فالتغيير هو القانون الوحيد الذي لم يستطع أحد كسره.

المأساة الحقيقية...

أن نعيش أعمارنا كلها منتظرين اللحظة المناسبة لننتبه.

فنكتشف، بعد سنوات، أن اللحظة المناسبة كانت تمر أمامنا كل يوم.

وكانت ترتدي ثيابًا عادية...

ولهذا لم نتعرف إليها.

ولعل أعظم درس يمكن أن تمنحه لنا الحياة هو هذا:

لا تؤجل الانتباه.

فما تراه اليوم أمرًا عاديًا...

قد يصبح غدًا أمنيةً تتمنى لو أنك عشتها بوعي أكبر، وشكرت الله عليها أكثر، ومنحتها من قلبك ما تستحق.

لأن الحياة، في النهاية، لا تُسرق منا دفعةً واحدة...

بل تتسرب بهدوء، دقيقةً بعد دقيقة.

والسعيد ليس من يملك عمرًا أطول...

بل من يملك حضورًا أعمق في العمر الذي بين يديه.



                             تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة