لماذا يجب علينا الخوف من الفوضى؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:





عندما يصبح النظام عائقًا

قد يبدو غريبًا أن نقول إن النظام، الذي قامت عليه الحضارات، قد يتحول أحيانًا إلى سبب في جمودها.

لكن التاريخ يخبرنا أن المشكلة ليست في وجود النظام.

بل في تحوله إلى غاية، بعد أن كان وسيلة.

فكل نظام يبدأ بفكرة بسيطة:

أن يجعل الحياة أكثر عدلًا، أو أكثر أمنًا، أو أكثر استقرارًا.

غير أن بعض الأنظمة، مع مرور الزمن، تنسى لماذا وُجدت أصلًا.

فتصبح المحافظة عليها أهم من تحقيق الهدف الذي أُنشئت من أجله.

عندها، لا يعود الإنسان يخدم النظام.

بل يصبح النظام هو الذي يفرض على الإنسان أن يتوقف عن التطور.

ولهذا، فإن الحضارات التي استمرت طويلًا لم تكن تلك التي رفضت التغيير.

بل تلك التي عرفت كيف تُصلح نظامها قبل أن ينهار.


لماذا تبدأ الثورات؟

ليست كل ثورة نتيجة الفقر.

وليست كل ثورة بسبب الظلم وحده.

في كثير من الأحيان، تبدأ الثورات عندما يشعر الناس أن النظام لم يعد قادرًا على أداء وظيفته الأساسية.

حين تصبح القوانين عاجزة عن تحقيق العدالة.

أو تصبح المؤسسات عاجزة عن حل المشكلات.

أو يصبح الطريق إلى الإصلاح مغلقًا.

حينها، لا يعود الصراع بين النظام والفوضى.

بل بين نظام فقد شرعيته، ومحاولة البحث عن نظام جديد.

وهذا ما يجعل التاريخ أكثر تعقيدًا مما نظن.

فالإنسان لا يرفض النظام لأنه يحب الفوضى.

بل لأنه يأمل في نظام أفضل.


النظام الذي لا يشعر به أحد

هناك علامة غريبة تدل على نجاح أي نظام.

أن ينساه الناس.

حين تعمل إشارات المرور، لا يفكر أحد فيها.

وحين تصل المياه إلى البيوت كل يوم، لا يتحدث الناس عنها.

وحين تعمل المحاكم، والمدارس، والمستشفيات بكفاءة، تصبح جزءًا من الحياة اليومية.

لكن ما إن يتعطل أحدها، حتى يكتشف الجميع قيمته.

ولهذا، فإن أفضل الأنظمة ليست تلك التي تفرض حضورها في كل لحظة.

بل تلك التي تجعل الحياة تسير بسلاسة، حتى يكاد الناس ينسون أنها موجودة.

إن النجاح الحقيقي للنظام، ليس أن يلفت الانتباه.

بل أن يجعل الاستقرار يبدو أمرًا طبيعيًا.


لماذا يخاف الإنسان من المجهول؟

في أعماق هذا الموضوع، لا تكمن الفوضى وحدها.

بل المجهول.

فالإنسان يستطيع أن يتحمل الصعوبة إذا عرف نهايتها.

ويستطيع أن يصبر على الألم إذا فهم سببه.

لكنه يجد صعوبة كبيرة في التعايش مع عالم لا يستطيع توقعه.

ولهذا، فإن النظام يمنح الإنسان أكثر من الأمن.

إنه يمنحه معنى.

فحين يعرف أن لكل فعل نتيجة، ولكل حق طريقًا، ولكل مشكلة وسيلة للحل، يصبح العالم مفهومًا.

أما حين تختفي هذه الروابط، يشعر الإنسان وكأنه يسير في أرض تتغير تحت قدميه مع كل خطوة.


الخاتمة

قد نظن أن الحضارة بُنيت بالحجارة، والحديد، والآلات.

لكن كل هذه الأشياء جاءت بعد شيء أكثر بساطة.

بعد أن اتفق البشر على قواعد مشتركة.

أن يقف كل واحد عند حق الآخر.

وأن يكون للكلمة وزن.

وللقانون قيمة.

وللوقت معنى.

إن النظام ليس عدو الحرية.

كما أن الفوضى ليست دائمًا عنوانًا للتغيير.

فالحضارة الحقيقية لم تولد حين اختار الإنسان أحدهما وألغى الآخر.

بل حين تعلم كيف يوازن بينهما.

فترك للنظام ما يحفظ الاستقرار.

وترك للأسئلة ما يصنع المستقبل.


وقفة أخيرة

لو اختفت القوانين غدًا، لأدركنا قيمتها.

ولو اختفت الثقة، لتوقفت المعاملات.

ولو اختفى النظام، لما عرف الإنسان من أين يبدأ يومه.

لكننا لا نحتاج إلى انتظار ذلك حتى نفهم الحقيقة.

فكل صباح هادئ، وكل شارع منظم، وكل موعد يُحترم، وكل حق يصل إلى صاحبه، ليس أمرًا عاديًا كما يبدو.

إنه ثمرة آلاف السنين التي حاول فيها الإنسان أن ينتصر، مرة بعد أخرى، على الفوضى.

وربما لهذا السبب، لم يكن السؤال الحقيقي يومًا:

"لماذا يخاف الإنسان من الفوضى؟"

بل:

"كيف استطاع، رغم كل شيء، أن يصنع من الفوضى عالمًا يمكن العيش فيه؟"





ملاحظة ضرورية وحتمية بدون أدنى شك : الحمدلله الذي أفاض علي من نعتمه أن جعل المملكة العربية السعةدية بلدي وأرضي ووطني وإني من مادّتها وتُرابها الذي أفديه بنفسي وأهلي و مالي ، الحمدلله الذي جعل هذا الوطن مُنظمًا بالقوانين وأبعد ما يكون عن الفوضى والمعيشة فيه أكبر دليل لذلك.







                                    تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة