حين يتنكر الكبرياء في ثوب الكرامة
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
الأزمات التي يصنعها الكبرياء
ليس كل ما ينكسر في الحياة تكسره الظروف، ولا كل ما يضيع تسرقه الأيام. فكم من بيتٍ هدمته كلمةٌ لم تُقَل، وكم من قلبٍ مات انتظارًا لاعتذارٍ لم يأتِ، وكم من علاقةٍ كانت تحتاج إلى خطوةٍ واحدة، فمنعها الكبرياء حتى أصبحت المسافة بينها وبين العودة أبعد من أن تُقطع.
والعجيب أن الكبرياء لا يدخل حياة الإنسان معلنًا عن نفسه، بل يتخفى في أثوابٍ نبيلة. فيسمي نفسه مرةً كرامة، ومرةً عزة نفس، ومرةً حفاظًا على المكانة، حتى يظن صاحبه أنه يحمي نفسه، بينما هو في الحقيقة يهدمها حجرًا بعد حجر.
وليس أخطر ما في الكبرياء أنه يمنع الإنسان من الاعتذار، بل إنه يمنعه من رؤية الحقيقة. فالمتكبر لا يرى خطأه كاملًا، لأنه مشغولٌ بالدفاع عن صورته، لا بمراجعة نفسه. ولهذا يطول النزاع، وتتعقد الأزمات، ويصبح الرجوع إلى الصواب أصعب من الوقوع في الخطأ.
إن أكثر الأزمات الإنسانية لم تبدأ بخيانةٍ عظيمة، ولا بعداوةٍ قديمة، وإنما بدأت بجملةٍ كان يمكن أن تُقال، أو يدٍ كان يمكن أن تمتد، أو كلمة: "لقد أخطأت." لكن الكبرياء أقنع صاحبها بأن الصمت انتصار، فإذا بالصمت يتحول إلى مقبرةٍ للعلاقات.
ولعل المفارقة المؤلمة أن الإنسان، بعد سنوات، لا يتذكر كيف انتصر في ذلك الموقف، بل يتذكر من خسره بسببه. فيكتشف أن الكبرياء وعده بحفظ الكرامة، لكنه أخذ منه السكينة، وأضاع عليه أناسًا كان وجودهم أثمن من كل انتصارٍ عابر.
فما أكثر الأزمات التي ننسبها إلى القدر، ولو فتشنا في بدايتها لوجدنا أن أول حجرٍ فيها لم يضعه القدر، بل وضعه إنسانٌ قال في نفسه: لن أكون أول من يعتذر.
الكبرياء... حين يرتدي قناع الحكمة
للكبرياء قدرةٌ عجيبة على خداع صاحبه؛ فهو لا يأتيه صارخًا: "أنا سبب شقائك." بل يهمس في أذنه همسًا رقيقًا: "احفظ هيبتك... لا تكن أول من يتراجع."
وهكذا تبدأ المأساة.
لا لأن الإنسان يكره من أمامه، بل لأنه يصبح أسير الصورة التي رسمها لنفسه. يخشى أن يراه الناس ضعيفًا إن اعتذر، أو مترددًا إن راجع موقفه، أو منكسرًا إن قال: لقد كنت مخطئًا.
وما علم أن النفوس الكبيرة لا تُقاس بعدد المرات التي انتصرت فيها، وإنما بعدد المرات التي انتصرت فيها على نفسها.
إن أكثر ما يرهق الإنسان ليس الخطأ، بل الدفاع المستمر عنه. فالخطأ لحظة، أما تبريره فقد يمتد سنوات، حتى يصبح الإنسان سجين قرارٍ اتخذه في ساعة غضب، ثم عجز عن الرجوع عنه لأنه خشي أن يهتز تمثاله في أعين الآخرين.
ولقد رأيتُ في الحياة أن بعض الناس لا يخسرون أحباءهم لأن المحبة ماتت، بل لأن الكبرياء كان أعلى صوتًا من المحبة. يقف كل واحدٍ منهما ينتظر الآخر، وكأن الاعتذار هزيمة، مع أن الحقيقة أن الهزيمة الكبرى هي أن تمضي الأعمار، ويبقى كل واحدٍ منهما يتساءل في صمت: ماذا لو أنني بادرت؟
إن الكبرياء لا يسرق العلاقات دفعةً واحدة، بل يسرقها بالتقسيط؛ يؤجل كلمة اليوم إلى الغد، واعتذار الغد إلى الأسبوع القادم، ثم يصبح الأسبوع شهرًا، والشهر عامًا، حتى يعتاد القلب الغياب، ويصبح الرجوع غريبًا بعد أن كان سهلًا.
ولعل أخطر ما يفعله الكبرياء أنه يُبدِّل معايير الإنسان. فيصبح السؤال: من المخطئ؟ أهم من السؤال: كيف نصلح ما انكسر؟ ويغدو إثبات البراءة أغلى من المحافظة على الإنسان نفسه.
وهنا تبدأ العلاقات بالتحول من ميثاق مودة إلى ساحة مرافعات، ومن بيتٍ للسكن إلى محكمةٍ لا يصدر فيها إلا حكمٌ واحد: مزيدٌ من البعد.
إن الكرامة الحقيقية لا تمنع الاعتذار، لأنها واثقة من نفسها. أما الكبرياء، فإنه يخشى الاعتذار لأنه يخشى أن يكتشف صاحبه أنه بشر، والبشر يخطئون، ويتعلمون، ويعودون.
ولذلك، ليس كل من صمت حكيمًا، ولا كل من اعتذر ضعيفًا، ولا كل من تراجع مهزومًا. فقد يكون الصمت جبنًا، وقد يكون الاعتذار شجاعة، وقد يكون الرجوع إلى الحق أسمى من الاستمرار في الباطل.
ومن تأمل أحوال الناس وجد أن الأزمات الكبرى لا تبدأ عادةً من الأحداث الكبرى، بل من التفاصيل التي استهان بها أصحابها. نظرةٌ أسيء فهمها، أو كلمةٌ قيلت في غير موضعها، أو رسالةٌ لم يُرد عليها، ثم يأتي الكبرياء ليمنع السؤال، ويمنع التوضيح، ويمنع الصفح، حتى تتضخم الحكاية، ويصير الجبل الذي نخشاه كومةً من الرمال لو أننا واجهناه في بدايته.
وهكذا، لا يكون الكبرياء صانعًا للأزمات لأنه يدفع الإنسان إلى الشر، بل لأنه يمنعه من فعل الخير في اللحظة التي يكون الخير فيها أيسر من كل ما سيأتي بعده.
ولعل الحكمة التي تستحق أن تُكتب بماء القلب هي أن الإنسان لا يُهزم حين يعتذر، ولا يصغر حين يعترف، وإنما يُهزم حقًا عندما يدفعه كبرياؤه إلى أن يخسر إنسانًا كان يستطيع أن يحتفظ به بكلمةٍ واحدة.
فما أكثر الذين حفظوا هيبتهم في أعين الناس، ثم عادوا إلى بيوتهم يحملون في صدورهم حسرةً لا يعلم بها أحد. وما أكثر الذين تنازلوا عن لحظةٍ من عنادهم، فكسبوا عمرًا كاملًا من السكينة.
وليس كل انتصارٍ يستحق أن يُحتفل به، فثمة انتصاراتٌ لا يبقى منها إلا الفراغ، وثمة هزائمُ ظاهرها الانكسار، وباطنها نجاة القلب من ندمٍ قد يلازم صاحبه ما بقي من عمره.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق