المعاناة ...

إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:



كُل بشر عظيم غير مجري حياة البشري هو نابع من عُمق المعاناة وبدونها ليس لهُ من الأمرِ في شيء


المعاناة: لماذا كان الألم معلِّمًا للإنسان عبر التاريخ؟ (الجزء الثاني)

فريدريش نيتشه... المعاناة بوصفها اختبارًا للقوة

يُعد فريدريش نيتشه من أكثر الفلاسفة إثارةً للجدل في نظرته إلى المعاناة.

فهو لم يرَ أن الألم خيرٌ في ذاته، ولم يدعُ الإنسان إلى البحث عنه، لكنه اعتقد أن الحياة لا يمكن أن تخلو من الصعوبات، وأن قيمة الإنسان تتجلى في طريقته في مواجهتها.

وكان نيتشه يرى أن الشخصية القوية لا تُولد مكتملة، وإنما تتشكل عبر التجارب، ولا سيما التجارب المؤلمة التي تكشف للإنسان حقيقة نفسه، وتدفعه إلى مراجعة أفكاره، وإعادة بناء شخصيته.

ومن أشهر العبارات المنسوبة إليه قوله:

«ما لا يقتلني يجعلني أقوى.»

وقد اشتهرت هذه العبارة في أنحاء العالم، لكنها كثيرًا ما تُفهم على غير مرادها.

فليس المقصود أن كل معاناة تجعل الإنسان أقوى تلقائيًا، فبعض الآلام قد تترك آثارًا عميقة تحتاج إلى علاج ودعم ومساندة.

وإنما أراد نيتشه أن يشير إلى أن الإنسان يستطيع، في بعض الأحوال، أن يحول المحنة إلى دافع للنمو، إذا لم يسمح لها بأن تقضي على إرادته.

ولهذا، فإن القوة الحقيقية ليست في غياب الألم، وإنما في القدرة على مواصلة السير رغم وجوده.


فيكتور فرانكل... الإنسان يبحث عن المعنى قبل الراحة

إذا كان نيتشه قد تحدث عن القوة، فإن فيكتور فرانكل تحدث عن المعنى.

وقد اكتسبت أفكاره قيمةً خاصة لأنه لم يكتبها من برجٍ عاجي، بل عاش بنفسه تجربة الاعتقال في معسكرات النازية خلال الحرب العالمية الثانية، وشهد صورًا قاسية من المعاناة الإنسانية.

وبعد تلك التجربة، خرج بفكرة أصبحت من أهم الأفكار في علم النفس الحديث، وهي أن الإنسان يستطيع احتمال كثير من الألم إذا وجد له معنى.

ولم يكن يقصد أن الألم مطلوب، أو أن الإنسان ينبغي أن يسعى إليه، وإنما رأى أن بعض المواقف لا يمكن تغييرها، وأن الإنسان يبقى قادرًا على اختيار موقفه الداخلي منها.

فقد يفقد الإنسان ماله، أو صحته، أو شخصًا عزيزًا، لكنه لا يفقد حريته في أن يحدد كيف سيواصل حياته بعد تلك التجربة.

ولهذا، فإن البحث عن المعنى ليس هروبًا من الواقع، بل محاولة لفهمه والتعايش معه بصورة أكثر توازنًا.


هل تصنع المعاناة الإبداع؟

إذا تأملنا سير كثير من الأدباء، والعلماء، والمفكرين، وجدنا أن عددًا منهم مر بتجارب قاسية.

لكن من الخطأ أن نستنتج من ذلك أن المعاناة شرط للإبداع.

فالواقع أكثر تعقيدًا من هذه الفكرة.

إن المعاناة قد تدفع بعض الناس إلى التأمل، وإعادة ترتيب أفكارهم، والتعبير عن مشاعرهم في صورة علم، أو أدب، أو فن.

وفي المقابل، قد تؤدي المعاناة نفسها إلى إنهاك أشخاص آخرين، فتقل قدرتهم على الإنتاج حتى يجدوا الدعم والرعاية.

ولهذا، فإن العلاقة بين الألم والإبداع ليست علاقةً حتمية، بل تتوقف على عوامل كثيرة، منها شخصية الإنسان، والبيئة التي يعيش فيها، ومن يحيطون به، والفرص التي تتاح له للنهوض من جديد.

إن الإبداع لا يولده الألم وحده، وإنما قد يولده الإنسان الذي استطاع أن يحول ألمه إلى رسالة.


المعاناة في الأدب

منذ أقدم الملاحم الإنسانية، كانت المعاناة حاضرة في الأدب، لأنها تكشف أعماق النفس البشرية.

فالبطل الذي لا يواجه تحديات يبقى شخصيةً عادية، أما الذي يصارع الخوف، أو الفقد، أو الظلم، ثم يواصل طريقه، فإنه يصبح مصدر إلهام للآخرين.

ولذلك، نجد أن كثيرًا من الروايات والقصائد والمسرحيات الكبرى لا تتحدث عن حياة سهلة، بل عن إنسان يحاول أن يجد النور وسط الظلام.

فالقراء لا يتأثرون بالشخصيات الكاملة، وإنما بالشخصيات التي تخطئ، وتتألم، ثم تتعلم، وتنهض مرة أخرى.

وهذا يبين أن الأدب لم يمجد المعاناة، بل جعلها وسيلة لفهم الإنسان.


بين الاستسلام والمقاومة

حين تحل بالإنسان محنة، يقف غالبًا أمام طريقين.

الطريق الأول هو الاستسلام، حيث يرى أن ما حدث قد أنهى مستقبله، وأنه لم يعد قادرًا على التغيير.

أما الطريق الثاني، فهو المقاومة الهادئة، التي تبدأ بالاعتراف بالألم، ثم البحث عن الوسائل الممكنة للتعامل معه، والاستفادة من خبرات الآخرين، وعدم فقدان الأمل.

وهذا لا يعني أن الطريق الثاني سهل، ولا أن الإنسان يستطيع تجاوزه وحده دائمًا.

ففي كثير من الأحيان، يكون طلب المساندة من الأسرة، أو الأصدقاء، أو المختصين، جزءًا من الشجاعة، لا دليلًا على الضعف.

فالإنسان كائن اجتماعي، وقد خُلق ليعين غيره ويستعين به.


المعاناة والتعاطف

من أعظم الثمار التي قد تتركها التجارب الصعبة أنها تجعل الإنسان أكثر فهمًا لآلام الآخرين.

فالذي عرف المرض، يدرك قيمة العافية.

والذي ذاق الفقد، يكون أكثر رفقًا بمن فقد عزيزًا.

والذي جرب الفقر، يشعر بحاجة المحتاج.

ولهذا، فإن كثيرًا من أعمال الخير، والمبادرات الإنسانية، والمؤسسات الخيرية، بدأت بتجربة شخصية مؤلمة، تحولت بعد ذلك إلى دافع لخدمة الآخرين.

إن المعاناة لا تجعل الإنسان رحيمًا تلقائيًا، لكنها قد تفتح قلبه لفهم ما يعجز عن فهمه من لم يمر بالتجربة نفسها.


هل يمكن أن تخلو الحياة من المعاناة؟

لو أمكن للإنسان أن يزيل كل ألم من حياته، فهل تصبح حياته كاملة؟

قد يبدو الجواب لأول وهلة: نعم.

لكن التأمل يكشف أن كثيرًا من القيم الإنسانية لا تظهر إلا عند مواجهة الصعوبات.

فالصبر لا يُعرف إلا عند الشدة.

والشجاعة لا تتجلى إلا في وجود الخوف.

والوفاء يظهر في أوقات المحن.

والرحمة تتجلى عند رؤية المحتاج.

ولا يعني ذلك أن المعاناة مطلوبة، وإنما يعني أن القيم العظيمة تظهر غالبًا عندما يواجه الإنسان ما يختبرها.

ولهذا، فإن الحياة الخالية من كل تحدٍ قد تكون حياةً أقل قدرة على إظهار أفضل ما في الإنسان.


قال فيكتور فرانكل:

«يمكن أن يُسلب الإنسان كل شيء إلا شيئًا واحدًا: آخر الحريات الإنسانية، وهي اختيار موقفه من أي ظرف يواجهه.»

وتُعد هذه الفكرة من أهم المبادئ التي قام عليها العلاج بالمعنى، فهي تؤكد أن الإنسان قد لا يملك تغيير جميع الظروف، لكنه يظل قادرًا على اختيار الطريقة التي يواجه بها تلك الظروف، وهذا الاختيار قد يكون بداية الطريق إلى التعافي والنهوض.




                                           تليد..


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة