ما الذي يجعل وجود الإنسان ذا قيمة... رغم أنه مؤقت؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:





ما الذي يجعل وجود الإنسان ذا قيمة... رغم أنه مؤقت؟

منذ أن وعى الإنسان نفسه، وهو يحمل في داخله يقينًا لا يستطيع الفرار منه.

يقينًا لا يهادنه، ولا ينساه طويلًا، وإن انشغل عنه.

إنه يعلم أن حياته محدودة، وأن الزمن الذي مُنح له سينتهي يومًا، وأن كل ما يملكه من قوةٍ، ومالٍ، وعلمٍ، ومكانة، سيقف عند لحظةٍ لا يملك تأجيلها.

ومع ذلك...

لم يتوقف الإنسان عن بناء الحضارات.

ولم يتوقف عن تأليف الكتب.

ولم يتوقف عن اكتشاف المجهول.

ولم يتوقف عن غرس الأشجار التي يعلم أنه قد لا يجلس في ظلها.

وهنا يولد سؤالٌ يستحق أن نقف أمامه طويلًا:

إذا كان وجود الإنسان مؤقتًا، فمن أين تستمد حياته قيمتها؟

لقد اعتاد الإنسان أن يربط القيمة بالبقاء.

فكلما طال عمر الشيء، ظنه أكثر أهمية.

غير أن الحياة تكشف لنا، في كل يوم، حقيقةً مختلفة.

إن أجمل الأشياء ليست أطولها عمرًا.

فالربيع لا يزور الأرض إلا قليلًا.

وغروب الشمس لا يستمر إلا دقائق.

والطفولة تمضي سريعًا.

ومع ذلك، تبقى من أثمن ما يختبره الإنسان.

وكأن الزمن لا يمنح الأشياء قيمتها...

بل يكشفها.

ولو كانت الحياة أبدية، فهل كان الإنسان سيشعر بوطأة الوقت؟

وهل كان سيستعجل إصلاح خطأ، أو قول كلمة طيبة، أو احتضان من يحب؟

أم كان سيؤجل كل شيء إلى غدٍ لا ينتهي؟

لعل النهاية ليست خصم الحياة كما نتصور.

بل هي التي تمنحها إيقاعها، وتجعل لكل لحظةٍ وزنًا، ولكل قرارٍ أثرًا، ولكل يومٍ قيمةً لا تتكرر.

إن محدودية العمر ليست بالضرورة نقصًا في الحياة.

وربما كانت هي الشرط الذي يجعل للحياة معنى.

فالإنسان لا يقاس بعدد الأيام التي مرت عليه.

بل بما مرَّ من خيرٍ، أو علمٍ، أو رحمة، أو عدل، عبر تلك الأيام إلى العالم.

كم من إنسانٍ عاش أعوامًا قليلة، لكن أثره بقي حيًا في العقول والقلوب.

وكم من آخر امتد به العمر طويلًا، حتى ظن الناس أنه عاش كثيرًا، لكنه غادر كما جاء، دون أن يترك في الزمن ما يدل على أنه مرَّ به.

ومن هنا، لا يعود السؤال:

كم سنةً عاش الإنسان؟

بل:

ماذا فعل بالسنوات التي عاشها؟

إن الزمن يُعطى للجميع.

أما القيمة، فلا تُمنح إلا لمن أحسن استعمال الزمن.

ولعل أعظم ما يميز الإنسان عن كثيرٍ من الكائنات أنه لا يعيش ليستهلك أيامه فحسب.

بل يستطيع أن يحولها إلى معنى.

قد يحولها إلى فكرةٍ تُنير عقلًا.

أو إلى عملٍ يرفع عن إنسانٍ ألمًا.

أو إلى كلمةٍ تبعث الأمل في نفسٍ كادت تستسلم.

أو إلى تربيةٍ صالحة تمتد آثارها إلى أجيال لم يرها.

وهنا تتغير نظرتنا إلى الحياة.

فلا تصبح قيمتها في طولها...

بل في عمقها.

ولا في كثرة ما نملك...

بل في طبيعة ما نعطي.

إن الإنسان قد يرحل، لكن أثر الصدق لا يرحل معه.

وقد يغيب صوته، لكن كلمةً قالها في وقتها قد تبقى تصنع خيرًا بعد عشرات السنين.

وقد يطويه التراب، لكن رحمةً زرعها في قلب إنسان قد تنبت رحمةً في قلوب آخرين، جيلاً بعد جيل.

إن الوجود الإنساني لا يُقاس بما يحتفظ به صاحبه لنفسه.

بل بما يتركه في حياة غيره.

ولعل هذا هو السر الذي جعل بعض الناس يعيشون في ذاكرة التاريخ، رغم أن أعمارهم لم تكن أطول من أعمار غيرهم.

فالتاريخ لا يحفظ الزمن الذي عشته...

بل يحفظ ما فعلته بذلك الزمن.

ومع ذلك، ينبغي للإنسان أن يحذر من وهمٍ آخر.

فليست قيمة الحياة في أن يُخلِّد الإنسان اسمه، أو يضمن أن يذكره الناس.

فالأسماء قد تغيب، والآثار قد تندثر، والذاكرة البشرية نفسها قصيرة.

إن القيمة الأعمق لا تتوقف على التصفيق، ولا على الشهرة، ولا على أن يبقى الاسم منقوشًا في صفحات التاريخ.

بل على أن تكون الحياة التي عشتها صادقة مع المبادئ التي آمنت بها، نافعةً لمن حولك، ومليئةً بما يستحق أن يُبذل من أجله العمر.

فقد يعيش الإنسان مجهولًا بين الناس، لكنه معروفٌ عند كل من تبدلت حياته بسببه.

وقد يمضي في صمت، لكن أثره يبقى ناطقًا بعد غيابه.

وربما لهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق الإنسان كل صباح ليس:

كم بقي لي من العمر؟

بل:

ماذا سأضيف إلى هذا العالم قبل أن أغادره؟

فليس كل من عاش، قد أحيا.

وليس كل من رحل، قد انتهى.

هناك أناسٌ انقضت أعمارهم، وما زالت أفكارهم تهدي العقول، وأخلاقهم تلهم النفوس، وأعمالهم تخفف عن البشر مشقة الحياة.

وهؤلاء لم ينتصروا على الموت، ولم يهزموا الزمن.

لكنهم انتصروا على العبث.

وهذا، لعلَّه، أعظم انتصارٍ يمكن أن يحققه الإنسان.

فربما لم تُخلق قيمة الإنسان من طول بقائه...

بل من قدرته، في زمنٍ قصير، على أن يجعل الوجود أكثر خيرًا، وأكثر عدلًا، وأكثر جمالًا مما وجده.

وحين يدرك الإنسان هذه الحقيقة، يتغير السؤال كله.

فلا يعود يسأل:

كيف أطيل حياتي؟

بل يسأل:

كيف أجعل الحياة التي أُعطيتها تستحق أن تُعاش؟




                                              تليد..



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة