الخوف و تأثيره ...1
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
«الشجاعة ليست غياب الخوف، بل الانتصار عليه.»— نيلسون مانديلا
مقدمة
ليس هناك شعور رافق الإنسان منذ ولادته كما رافقه الخوف. فهو أول ما يدفع الطفل إلى الاحتماء بذراعي أمه، وأول ما يجعل الإنسان يتراجع عن الاقتراب من الخطر، وآخر ما يهمس في قلبه وهو يقف أمام المجهول.
وقد يبدو الخوف، للوهلة الأولى، عدوًا ينبغي التخلص منه، غير أن التأمل يكشف أنه كان، عبر آلاف السنين، أحد أسباب بقاء الإنسان واستمرار نوعه. فلو لم يعرف الخوف، لما تجنب النار، ولا ابتعد عن المفترسات، ولا احتاط للأخطار التي تهدد حياته.
لكن الخوف الذي حمى الإنسان قديمًا، أصبح في كثير من الأحيان يحاصره اليوم. فلم تعد المخاوف تقتصر على الأخطار المادية، بل امتدت إلى المستقبل، والفشل، والوحدة، وفقدان المكانة، ورأي الآخرين، وحتى إلى الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحياة والموت.
ولهذا، لم يكن الخوف مجرد انفعال نفسي، بل تحول إلى موضوع تأمل فلسفي عميق، لأن فهمه يعني فهم جانب أساسي من طبيعة الإنسان.
ما الخوف؟
الخوف استجابة إنسانية طبيعية تنشأ عندما يدرك الإنسان وجود خطر حقيقي أو متوقع. وهو ليس علامة ضعف، كما يُشاع أحيانًا، بل آلية فطرية لحماية الحياة.
غير أن الخوف لا ينشأ دائمًا من الواقع، فقد ينشأ أيضًا من التصورات التي يصنعها العقل. فالإنسان قد يخشى حدثًا لم يقع بعد، أو يتألم بسبب احتمال لا يزال بعيدًا، فيعيش معاناة حقيقية لأسباب لم تتحقق إلا في خياله.
ومن هنا تأتي صعوبة التعامل مع الخوف؛ لأنه لا يعتمد على الوقائع وحدها، بل على الطريقة التي يفسر بها الإنسان تلك الوقائع.
ولهذا، فإن شخصين قد يواجهان الموقف نفسه، فيراه أحدهما فرصة، بينما يراه الآخر تهديدًا، والفرق بينهما لا يكون في الحدث، بل في زاوية النظر إليه.
الخوف في نظر الفلاسفة
اهتم الفلاسفة بالخوف لأنه يكشف العلاقة بين الإنسان والعالم، وبين الإنسان ونفسه.
رأى توماس هوبز أن الخوف كان من أهم الأسباب التي دفعت البشر إلى إنشاء المجتمع والدولة. فالإنسان، إذا عاش بلا قانون، خشي اعتداء الآخرين، ولهذا قبل أن يتنازل عن جزء من حريته مقابل الأمن والاستقرار.
وفي المقابل، نظر باروخ سبينوزا إلى الخوف بوصفه انفعالًا يضعف الإنسان عندما يسيطر عليه، ورأى أن المعرفة تزيد من حرية الإنسان لأنها تقلل من سلطان الأوهام التي تغذي مخاوفه.
أما سورين كيركغور، فقد ميّز بين الخوف من شيء محدد، وبين القلق الوجودي الذي ينشأ عندما يدرك الإنسان مسؤوليته عن اختياراته، ويواجه اتساع الاحتمالات التي تفتحها الحرية أمامه.
وهكذا، لم يكن الخوف عند هؤلاء الفلاسفة مجرد شعور سلبي، بل نافذة لفهم الحرية، والمعرفة، والمسؤولية، وطبيعة الوجود الإنساني.
لماذا نخاف من المستقبل أكثر من الحاضر؟
من الملاحظ أن الإنسان يقضي وقتًا طويلًا في القلق بشأن أشياء لم تقع بعد. فهو يخاف من خسارة وظيفة لم يفقدها، أو من مرض لم يُصب به، أو من فشل لم يحدث، أو من أحداث قد لا تقع أصلًا.
ويرجع ذلك إلى أن العقل البشري يمتلك قدرة فريدة على تخيل المستقبل، وهي نعمة عظيمة حين تُستخدم في التخطيط، لكنها قد تتحول إلى مصدر للمعاناة إذا استُخدمت في صناعة السيناريوهات السوداوية.
إن المستقبل، بطبيعته، مجهول. وما يجهله الإنسان يترك مساحة واسعة لتدخل الخيال. وكلما غابت المعرفة، اتسعت مساحة الخوف.
ولهذا، فإن كثيرًا من المخاوف لا تنشأ من الواقع نفسه، بل من التوقعات التي يبنيها الإنسان حوله. وقد يكتشف، بعد مرور الزمن، أن أكثر ما أقلقه لم يحدث قط، أو أنه كان أهون بكثير مما تصوره.
وهنا تظهر قيمة الحكمة التي تدعو الإنسان إلى الاستعداد للمستقبل، دون أن يسمح له بأن يسرق سلامه في الحاضر.
تــلــيــد..
تعليقات
إرسال تعليق