الخوف وتأثيره ...2
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
الخوف والشجاعة... هل هما نقيضان؟
يرتبط مفهوم الشجاعة، في أذهان كثير من الناس، بغياب الخوف. غير أن التأمل في التجربة الإنسانية يكشف أن هذا التصور لا يوافق الواقع. فالإنسان الذي لا يشعر بالخوف مطلقًا قد لا يكون شجاعًا، بل قد يكون عاجزًا عن تقدير المخاطر.
أما الشجاعة الحقيقية، فهي أن يدرك الإنسان الخطر إدراكًا كاملًا، ثم يقرر، بعد تفكير وروية، أن يفعل ما يراه حقًا، رغم ما يعتريه من رهبة.
ولهذا لم يكن الجنود، ورجال الإنقاذ، والأطباء الذين يواجهون الأوبئة، وغيرهم ممن يقدمون على أعمال عظيمة، يخلو أحدهم من الخوف، وإنما كانوا يضعون الواجب فوق الخوف، والغاية فوق التردد.
وقد رأى أرسطو أن الشجاعة فضيلة تقع بين طرفين مذمومين: التهور من جهة، والجبن من جهة أخرى. فالتهور ليس شجاعة، لأنه إقدام بلا حكمة، والجبن ليس حكمة، لأنه تراجع عما ينبغي فعله. أما الشجاعة، فهي حسن التقدير مع الثبات عند الحاجة.
ومن هنا نفهم أن الخوف ليس نقيض الشجاعة، بل المادة التي تُختبر فيها الشجاعة. فلا معنى للثبات إذا لم يكن هناك ما يدعو إلى التراجع، ولا قيمة للإقدام إذا خلا الطريق من المخاطر.
الخوف من الفشل... القيد الذي لا يُرى
من أكثر أنواع الخوف انتشارًا في العصر الحديث الخوف من الفشل. وهو خوف لا يتعلق بالخطر الجسدي، بل بالصورة التي يرسمها الإنسان لنفسه، أو بالمكانة التي يخشى أن يفقدها بين الناس.
ولهذا يتردد كثيرون في بدء مشروع جديد، أو تعلم مهارة مختلفة، أو التعبير عن أفكارهم، لأنهم يتخيلون الفشل قبل أن يمنحوا أنفسهم فرصة المحاولة.
غير أن الفشل، في حقيقته، ليس دائمًا نهاية الطريق، بل قد يكون بداية معرفة لا يمكن الوصول إليها بغير التجربة.
إن معظم الاكتشافات الكبرى، والإنجازات العلمية، والأعمال الإبداعية، سبقتها محاولات لم تنجح. لكن أصحابها لم يجعلوا من الإخفاق حكمًا نهائيًا على قدراتهم، بل اعتبروه جزءًا من طريق التعلم.
ولذلك، فإن الخوف من الفشل قد يكون أخطر من الفشل نفسه، لأنه يمنع الإنسان من المحاولة أصلًا، ويحكم عليه بالبقاء في المكان الذي يخشاه.
عندما يصنع العقل مخاوفه
ليس كل خوف ناتجًا عن خطر حقيقي. ففي كثير من الأحيان، يكون العقل هو الذي ينسج صورًا متخيلة، ثم يتعامل معها وكأنها وقائع ثابتة.
فقد يفسر الإنسان نظرة عابرة على أنها ازدراء، أو يتوقع رفضًا قبل أن يعرض فكرته، أو يعتقد أن خطأً صغيرًا سيقضي على مستقبله كله. ومع تكرار هذه التصورات، تتحول إلى قناعة، ثم إلى خوف يوجه السلوك.
ولهذا كان باروخ سبينوزا يرى أن المعرفة تحرر الإنسان من كثير من الانفعالات التي تنشأ عن الوهم وسوء الفهم. فكلما اتضحت الحقائق، تقلص سلطان المخاوف التي لا تستند إلى واقع.
إن العقل، حين يفتقر إلى المعلومات، يملأ الفراغ بالاحتمالات. أما حين يبحث عن الحقيقة، فإنه يمنح الإنسان قدرة أكبر على التمييز بين ما يستحق الحذر، وما لا يعدو أن يكون هاجسًا عابرًا.
هل يمكن تحويل الخوف إلى قوة؟
قد يبدو هذا السؤال متناقضًا، لكن كثيرًا من التجارب الإنسانية تؤكد أن الخوف، إذا أُحسن التعامل معه، يمكن أن يصبح دافعًا للنمو لا عائقًا أمامه.
فالطالب الذي يخاف من الرسوب قد يجعل من خوفه سببًا في مزيد من الاجتهاد. والطبيب الذي يخشى الخطأ يزداد حرصًا على التعلم والتدقيق. والكاتب الذي يقلقه ضعف عمله يعود إليه بالمراجعة والتنقيح حتى يبلغ الصورة التي يرضى عنها.
إن المشكلة لا تكمن في وجود الخوف، بل في الطريقة التي نستجيب بها له. فإذا جعلنا منه سببًا للتوقف، أصبح قيدًا. أما إذا جعلناه دعوة إلى الاستعداد، تحول إلى قوة تدفعنا إلى مزيد من الإتقان.
ولهذا فإن الإنسان الحكيم لا يسعى إلى القضاء على الخوف تمامًا، لأن ذلك غير ممكن، بل يتعلم كيف يضعه في موضعه الصحيح، فلا يستهين به، ولا يسمح له في الوقت نفسه بأن يقوده.
إن أكثر الناس نجاحًا ليسوا أولئك الذين عاشوا بلا مخاوف، بل الذين تعلموا كيف يسيرون رغم وجودها، وكيف يجعلون منها معلمًا ينبههم إلى مواطن الضعف، لا سجنًا يمنعهم من التقدم.
تــلـيد..
تعليقات
إرسال تعليق