ماذا لو كان السؤالان خطأ..؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم:




لعل السؤال كله خطأ...

منذ البداية، كنا نسأل:

هل العقل يقود الوعي؟

ثم قلبنا السؤال:

أم أن الوعي هو الذي يقود العقل؟

وظننا أننا اقتربنا من الحقيقة.

لكن ماذا لو كان الخطأ لا يكمن في الجواب...

بل في السؤال نفسه؟

إننا نسأل كما لو أن العقل والوعي شخصان يجلس أحدهما أمام الآخر، ينتظر كلٌّ منهما أن يأمر صاحبه.

وكأن في داخل الإنسان حاكمًا ومحكومًا.

وقائدًا وتابعًا.

وربما لم يكن الأمر كذلك أبدًا.

لعل العقل والوعي ليسا خصمين.

وليسا شريكين.

بل هما وجهان لحركةٍ واحدة.

فكما لا تستطيع أن تسأل:

هل النار تقود الضوء، أم الضوء يقود النار؟

لأن كليهما يظهران معًا...

فربما كان العقل والوعي من هذا القبيل.

العقل لا يفكر في فراغ.

والوعي لا يعي شيئًا بلا مادةٍ يفكر فيها العقل.

كل واحدٍ منهما يولد الآخر في اللحظة نفسها.

وحين يضعف أحدهما، لا ينتصر الآخر...

بل يضعف الاثنان معًا.

لقد اعتدنا أن ننظر إلى الإنسان وكأنه مجموعة أجزاء مستقلة.

عقل.

وعي.

ذاكرة.

مشاعر.

إرادة.

لكن الإنسان، في الحقيقة، لا يعيش هذه الأجزاء منفصلة.

إنه يعيشها دفعةً واحدة.

حين تحزن، لا يحزن قلبك وحده.

بل يتغير تفكيرك.

وتتبدل ذاكرتك.

ويضيق انتباهك.

ويختلف إدراكك للزمن.

وكأن الإنسان كله يتحرك بحزنٍ واحد.

وكذلك حين يفرح.

وحين يخاف.

وحين يحب.

فلماذا نُصرُّ على فصل ما لم تعشه النفس مفصولًا قط؟

لعل المشكلة ليست في أننا لا نفهم العقل.

ولا في أننا لا نفهم الوعي.

بل في أننا ورثنا عادةً قديمة، تُجزِّئ الإنسان حتى يسهل تفسيره.

غير أن الإنسان لا يُفهم بالتجزئة دائمًا.

إنه يُفهم بوصفه كُلًّا يتغير، فإذا تحرك جزءٌ منه، ارتجفت الأجزاء الأخرى كلها.

ومن هنا، قد لا يكون السؤال:

من يقود؟

بل:

كيف تنشأ التجربة الإنسانية من تفاعل هذه القوى جميعًا؟

فالبذرة لا تسأل:

هل الجذر هو الذي يصنع الشجرة؟

أم الساق؟

أم الورقة؟

لأن الشجرة لا تنمو بانتصار عضوٍ على آخر.

بل بانسجام الجميع.

وربما الإنسان كذلك.

كلما بحث عن قائدٍ واحدٍ في داخله، ابتعد عن فهم نفسه.

وكلما أدرك أن نفسه ليست مملكةً يحكمها ملك، بل منظومةً يتأثر فيها كل شيءٍ بكل شيء، اقترب خطوةً من فهمها.

ولعل أعظم الأوهام التي صنعها العقل...

أنه حاول أن يفهم نفسه كما يفهم آلةً.

ونسي أن الإنسان ليس آلةً تُفكُّ إلى قطع، ثم تُعاد إلى مكانها.

إنه كائنٌ حي.

وحياة الأشياء لا تُولد من أجزائها...

بل من العلاقة الخفية التي تجعل تلك الأجزاء شيئًا واحدًا.

وربما لهذا، كلما ظن الإنسان أنه أمسك بتفسيرٍ نهائي لنفسه، اكتشف أن نفسه قد سبقته إلى صورةٍ جديدة.

فهل العقل يقود الوعي؟

أم الوعي يقود العقل؟

ربما لا هذا...

ولا ذاك.

وربما كانت الحقيقة أهدأ من كل هذا الجدل:


أن الإنسان لا يعيش بعقلٍ منفصل، ولا بوعيٍ منفصل، بل يعيش بوحدةٍ داخلية لا تظهر إلا حين نحاول تقسيمها.





                                تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة