الامتنان .. القوة التي لا تشعر بها ..
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
الامتنان... القوة التي لا يلتفت إليها أحد
ثمة قوى يراها الإنسان بعينيه، فيحسبها وحدها التي تُغيِّر العالم.
يرى قوة المال، فيخشى سلطانها.
ويرى قوة العلم، فيُجلُّ أصحابها.
ويرى قوة السلاح، فيرتعد من أثرها.
ويرى قوة الكلمة، فيحفظها التاريخ.
غير أن هناك قوةً أخرى، لا تُحدِث ضجيجًا، ولا تطرق أبواب المدن، ولا تُغيِّر خرائط الأمم، لكنها تغيِّر شيئًا أعظم من ذلك كله...
إنها تغيِّر الإنسان نفسه.
إنها الامتنان.
ولعل أعجب ما في الامتنان أنه لا يزيد نعمةً واحدة إلى حياتك، ولا ينقص من مصائبك شيئًا، ومع ذلك يستطيع أن يغيِّر الطريقة التي ترى بها الحياة بأكملها.
وهنا تكمن عظمته.
فالإنسان لا يعيش بما يملك فقط، بل يعيش بالطريقة التي ينظر بها إلى ما يملك.
وقد يمتلك اثنان الشيء نفسه، ثم يشعر أحدهما بالغنى، ويشعر الآخر بالفقر.
لا لأن النعمة اختلفت...
بل لأن البصيرة اختلفت.
ومن هنا، لا يكون الامتنان شكرًا للنعم فحسب.
بل يصبح فنًّا في رؤية ما اعتادته العين حتى كادت تنساه.
إن أخطر ما يصيب الإنسان ليس الفقد.
بل الاعتياد.
فالاعتياد لصٌّ مهذَّب.
لا يسرق الأشياء من بين يديك...
بل يسرق إحساسك بقيمتها، ويتركها في مكانها.
تستيقظ كل صباح على نعمة التنفس، فلا تشعر بها.
وتنظر إلى السماء، فلا تراها.
وتسمع صوت من تحب، فلا يوقظ في قلبك دهشةً كما كان أول مرة.
ليس لأن الأشياء فقدت جمالها...
بل لأنك ألفتها.
وهكذا، يتحول الاستثناء إلى عادة، والعطية إلى أمرٍ متوقع، والمعجزة إلى تفصيلٍ يومي لا يلفت النظر.
ولعل الإنسان لا يخسر النعم حين تغادره...
بل يخسرها حين يتوقف عن رؤيتها.
ولهذا، كان الامتنان مقاومةً صامتةً ضد أكثر أعداء الإنسان خفاءً.
إنه يقاوم الاعتياد.
يعيد إلى الأشياء بريقها الأول.
ويوقظ في القلب دهشته القديمة.
ويذكِّر الإنسان بأن ما يظنه عاديًّا اليوم، كان يومًا حلمًا يتمناه.
ومن يتأمل حياة البشر، يدرك أن كثيرًا من أحزانهم لم تولد من قلة ما يملكون، بل من كثرة ما نسوا أنهم يملكون.
فالإنسان سريع الالتفات إلى ما ينقصه، بطيء الالتفات إلى ما بين يديه.
ينظر طويلًا إلى الباب المغلق...
وينسى النوافذ المفتوحة.
ويحصي ما فاته...
ولا يحصي ما بقي معه.
وهكذا، يعيش فقيرًا بالشعور، وإن كان غنيًّا بالواقع.
غير أن الامتنان لا يدعو الإنسان إلى إنكار الألم، ولا إلى التغاضي عن النقص، ولا إلى الرضا بالظلم أو الكسل.
إنه لا يطلب منه أن يغلق عينيه عن الجراح.
بل يعلِّمه ألا يجعل الجراح تحجب عنه ما بقي سليمًا.
فالوردة لا تلغي وجود الشوك.
والشوك لا يلغي وجود الوردة.
وكلاهما حقيقة.
لكن القلب هو الذي يختار أيَّ الحقيقةين يجعلها موطن نظره.
ولعل أعظم ما يمنحه الامتنان للإنسان أنه يحرره من عبودية المقارنة.
فمن يقيس حياته بحياة الآخرين، لن يعرف الشبع مهما كثرت عطاياه.
وسيظل يلهث وراء ما ليس عنده، حتى ينسى الاستمتاع بما بين يديه.
أما الممتن، فلا يقيس قيمة حياته بما يملكه الناس...
بل بما تعنيه الحياة له.
إنه لا يعيش في سباقٍ مع أحد.
بل يعيش في مصالحةٍ مع ما أُوتي، وسعيٍ هادئ لما لم يُؤتَ بعد.
وهنا يتحول الامتنان من شعورٍ عابر إلى حكمةٍ دائمة.
ليس لأنه يغيِّر العالم...
بل لأنه يغيِّر الإنسان الذي ينظر إلى العالم.
ومن تغيَّرت رؤيته، تغيَّرت حياته، وإن بقي العالم على حاله.
ولعل الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون هي أن الامتنان ليس مكافأةً تُمنح بعد اكتمال الحياة...
بل هو أحد الأسباب التي تجعل الحياة جديرةً بأن تُعاش.
فقد لا يستطيع الإنسان أن يضيف إلى عمره يومًا واحدًا.
لكنه يستطيع، بالامتنان، أن يضيف إلى أيامه كلها حياةً أخرى.
وهكذا، يبقى الامتنان قوةً لا يلتفت إليها أحد...
لا لأنها صغيرة...
بل لأنها تعمل في صمت، شأن كل القوى العظيمة التي لا تحتاج إلى ضجيج كي تُغيِّر العالم، بل يكفيها أن تُغيِّر قلب إنسان.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق