العادة ...

إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:





العادة: القوة الخفية التي تصنع الإنسان (الجزء الثالث والأخير)



لايوجد ماهو نبيلُ في الانسان غير الذي موجود ...




العادة في المنظور الإسلامي

ينظر الإسلام إلى العادة نظرةً متوازنة؛ فهي ليست خيرًا في ذاتها ولا شرًا في ذاتها، وإنما تكتسب قيمتها من الغاية التي تخدمها والأثر الذي تتركه في الإنسان والمجتمع.

وقد جاءت كثير من التشريعات الإسلامية بصيغة تجعل العمل الصالح ممارسةً متكررة، حتى يصبح جزءًا من حياة الإنسان اليومية.

فالصلوات الخمس، وقراءة القرآن، والذكر، وصلة الرحم، والصدق، والإحسان، كلها ليست أعمالًا موسمية، وإنما سلوكيات تتكرر حتى تصنع شخصية مستقيمة.

وفي هذا دلالة عميقة؛ إذ إن الإسلام لا يهدف إلى إحداث انفعالات مؤقتة، بل إلى بناء إنسان ثابت المبادئ، حسن السلوك، منضبط النفس.

ولهذا كان أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل، كما جاء في الحديث الصحيح.

وهذه القاعدة تكشف أن الاستمرار، لا الكثرة المؤقتة، هو الذي يصنع الأثر الحقيقي.

فالعمل القليل الذي يتحول إلى عادة، قد يكون أنفع من عمل كبير ينقطع بعد فترة قصيرة.


التربية... مصنع العادات الأولى

لا تبدأ العادات مع الإنسان عندما يصبح راشدًا، بل تتشكل بذورها منذ السنوات الأولى من حياته.

فالطفل لا يتعلم بالكلمات وحدها، وإنما يقلد ما يراه أمامه.

فإذا نشأ في بيت يحترم الوقت، ويتحدث أفراده بصدق، ويحرصون على القراءة، والعمل، والاحترام المتبادل، أصبحت هذه السلوكيات جزءًا من عالمه الطبيعي.

أما إذا اعتاد رؤية الفوضى، أو الإهمال، أو العنف اللفظي، فقد يحمل هذه الأنماط معه إلى مراحل لاحقة من حياته.

ولهذا قال عبد الرحمن الكواكبي ما معناه إن إصلاح الأمم يبدأ بتربية الإنسان، لأن المجتمع ليس إلا صورة مكبرة لما يتعلمه أفراده منذ الصغر.

ومن هنا، فإن أعظم استثمار تقوم به الأسرة ليس جمع المال لأبنائها، وإنما غرس العادات التي تعينهم على بناء حياتهم بأنفسهم.


العادات التي تبني الحضارات

عندما نتأمل تاريخ الأمم، نجد أن الحضارات لم تُبنَ بقرارات استثنائية فقط، بل بعادات جماعية استمرت أجيالًا.

فاحترام النظام عادة.

وإتقان العمل عادة.

والالتزام بالمواعيد عادة.

والاهتمام بالعلم عادة.

والمحافظة على الممتلكات العامة عادة.

وعندما تتحول هذه السلوكيات إلى ثقافة عامة، فإنها تنعكس على الاقتصاد، والتعليم، والإدارة، وجودة الحياة.

ولهذا، فإن الفرق بين المجتمعات لا يكمن دائمًا في حجم الموارد التي تملكها، بل في نوع العادات التي يمارسها أفرادها كل يوم.

وقد أشار ابن خلدون في مقدمته إلى أن العمران البشري يقوم على تكرار أنماط من السلوك والعمل والتعاون، وأن ما يعتاده الناس يتحول مع الزمن إلى جزء من طبيعة المجتمع.

ومن هنا، فإن إصلاح المجتمعات يبدأ غالبًا من إصلاح العادات اليومية قبل إصدار القوانين الجديدة.


العادة والنجاح

يبحث كثير من الناس عن سر النجاح، ويظنون أنه يكمن في الموهبة وحدها، أو في الظروف المناسبة، أو في الحظ.

ولا شك أن لهذه العوامل أثرًا، لكنها لا تكفي وحدها.

فالإنسان الموهوب قد يخسر موهبته إذا أهملها.

وصاحب الفرصة قد يضيعها إذا لم يكن مستعدًا لها.

أما من يبني عادات جيدة، فإنه يضاعف قيمة مواهبه، ويستثمر الفرص عندما تأتي.

ولهذا قال ستيفن كوفي إن العادات هي التي تشكل الشخصية، وأن الشخصية هي التي تحدد في النهاية نوع الحياة التي يعيشها الإنسان.

ولا يعني ذلك أن النجاح مضمون لكل من امتلك عادات حسنة، فالحياة أعقد من هذه المعادلة، لكن العادات الصالحة تزيد احتمال النجاح، وتمنح الإنسان قدرة أكبر على مواجهة الإخفاق عندما يقع.


كيف يبني الإنسان عادة نافعة؟

لا يحتاج بناء العادات إلى حلول معقدة، بل إلى فهم لطبيعة النفس البشرية.

ومن أهم المبادئ التي أثبتتها التجربة:

  • البدء بخطوات صغيرة يمكن الاستمرار فيها.
  • اختيار وقت ثابت لممارسة السلوك الجديد.
  • ربط العادة بهدف واضح يدرك الإنسان قيمته.
  • تقبل التعثر المؤقت وعدم اعتباره فشلًا نهائيًا.
  • الاحتفاء بالتقدم المستمر ولو كان بسيطًا.
  • الإحاطة بأشخاص يشجعون على السلوك الإيجابي.

إن الإنسان لا يتغير لأنه قام بعمل عظيم مرة واحدة، بل لأنه كرر عملًا نافعًا حتى أصبح جزءًا من حياته.


العادة والحرية

قد يبدو أن العادة تقيد الإنسان، لأنها تجعله يكرر السلوك نفسه.

لكن الحقيقة أن العادة الصالحة تمنحه قدرًا أكبر من الحرية.

فالذي اعتاد الانضباط في مواعيده يتحرر من فوضى التأجيل.

والذي اعتاد الادخار يتحرر من كثير من الأزمات المالية.

والذي اعتاد التعلم المستمر يصبح أقدر على التكيف مع تغيرات الحياة.

أما العادات السيئة، فإنها تبدأ باختيار حر، ثم قد تنتهي بقيد يصعب التخلص منه.

ولهذا، فإن الحرية الحقيقية ليست أن يفعل الإنسان ما يشاء في كل لحظة، وإنما أن يمتلك القدرة على اختيار العادات التي تخدم أهدافه وقيمه، بدلًا من أن تتحكم فيه عادات لم يخترها بوعي.


خاتمة

من السهل أن يلفت الإنسان الأنظار بعمل كبير يحدث مرة واحدة، لكن الأصعب والأبقى أن يبني حياة تقوم على عادات مستقرة.

فالعادة هي المعلم الصامت الذي يرافق الإنسان كل يوم، دون أن يشعر بوجوده.

وهي التي تحول المعرفة إلى ممارسة، والطموح إلى إنجاز، والقيم إلى سلوك، والأهداف إلى واقع.

لقد رأينا في هذا المقال أن الفلسفة اهتمت بالعادة لأنها تصوغ الشخصية، وأن علم النفس كشف أثرها في تشكيل السلوك، وأن الإسلام جعل المداومة على العمل الصالح طريقًا لبناء الإنسان.

كما رأينا أن الأسرة تغرس أولى العادات، وأن المجتمع يعززها أو يضعفها، وأن الحضارات نفسها تقوم على عادات جماعية قبل أن تقوم على الشعارات.

ولعل أهم ما نتعلمه من هذا كله أن الإنسان لا يصبح صالحًا لأنه يتمنى ذلك، ولا ناجحًا لأنه يخطط له، بل لأنه يكرر الأفعال التي تقوده إلى الصلاح والنجاح حتى تصبح جزءًا من طبيعته.

إن الأيام لا تغير الإنسان وحدها، وإنما تغيره الطريقة التي يعيش بها تلك الأيام.

فكل صباح يحمل فرصة جديدة لغرس عادة نافعة، وكل عادة نافعة تحمل بذرة مستقبل مختلف.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق الإنسان ليس: ما الذي أريد أن أحققه؟ فحسب، بل: ما العادة التي ينبغي أن أبدأ بها اليوم حتى أقترب من ذلك الهدف؟

فالمستقبل لا يُبنى في الغد، بل يُبنى في العادات التي نختارها اليوم.


للتأمل

قال صمويل سمايلز:

«ازرع فكرةً تحصد فعلًا، وازرع فعلًا تحصد عادةً، وازرع عادةً تحصد شخصيةً، وازرع شخصيةً تحصد مصيرًا.»

ورغم اختلاف الصيغ التي وردت بها هذه الحكمة عبر الزمن، فإن معناها يظل واحدًا: ما يزرعه الإنسان في أيامه العادية، هو ما يحصده في لحظاته المصيرية.





                                        تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة