العادة ...
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
العادة: القوة الخفية التي تصنع الإنسان (الجزء الثاني)
كيف تتكون العادات؟
من الأسئلة التي شغلت الفلاسفة وعلماء النفس وعلماء الأعصاب على حد سواء: كيف يتحول فعل يقوم به الإنسان مرة أو مرتين إلى سلوك يلازمه سنوات طويلة؟
إن الإجابة لا تكمن في قوة الإرادة وحدها، بل في طبيعة الدماغ البشري.
فالإنسان مهيأ لأن يتعلم من التكرار، لأن التكرار يقلل الجهد العقلي ويجعل أداء المهام أكثر سرعة وكفاءة. ولهذا، فإن العقل يحول كثيرًا من الأفعال المتكررة إلى أنماط شبه تلقائية، حتى يتفرغ للتعامل مع المواقف الجديدة والمعقدة.
وهذا ما يفسر لماذا يستطيع الإنسان قيادة سيارته بعد سنوات من الممارسة وهو يفكر في أمور أخرى، أو لماذا يكتب اسمه دون أن يتأمل شكل كل حرف.
والأمر نفسه يحدث في الجوانب الأخلاقية والسلوكية؛ فالتسامح، والانضباط، وحسن الاستماع، والصدق، قد تبدأ باختيار واعٍ، لكنها مع الزمن تصبح جزءًا من أسلوب الحياة.
ومن هنا، فإن التكرار لا يغير السلوك فحسب، بل يعيد تشكيل طريقة الإنسان في التعامل مع العالم.
الإرادة أم العادة؟
يُعجب الناس بقوة الإرادة، ويعدونها مفتاح النجاح، لكنها ليست وحدها كافية.
فالإرادة بطبيعتها تتأثر بالتعب، والانشغال، والضغوط، وتقلبات المزاج.
أما العادة، فإذا ترسخت، فإنها تستمر حتى في الأيام التي تقل فيها الحماسة.
ولهذا، فإن الإنسان الذي يعتمد على الإرادة وحدها يشبه من يدفع سيارة بيديه كل يوم.
أما الذي يبني عادات جيدة، فكأنه شغّل محركها، فأصبحت الحركة أسهل وأقل استنزافًا.
ولهذا قال وليم جيمس إن من أعظم إنجازات التربية أن تجعل الأفعال الحسنة عادة، حتى لا يحتاج الإنسان في كل مرة إلى معركة جديدة مع نفسه.
إن الإرادة هي الشرارة الأولى، أما العادة فهي التي تحفظ استمرار النار.
العادات الجيدة والعادات السيئة
لا توجد عادة قوية لأنها جيدة أو سيئة، بل لأنها متكررة.
فالدماغ لا يصنف السلوك أخلاقيًا، وإنما يستجيب لما يكرره الإنسان باستمرار.
ولهذا، فإن العادة النافعة والعادة الضارة تتكونان بالطريقة نفسها، لكن نتائجهما تختلف اختلافًا كبيرًا.
فمن اعتاد القراءة اليومية، ولو لربع ساعة، يبني مع الزمن رصيدًا معرفيًا يصعب ملاحظته في بدايته، لكنه يظهر بوضوح بعد سنوات.
ومن اعتاد التأجيل، ولو لدقائق في كل مهمة، قد يجد نفسه بعد مدة أسيرًا للتسويف، حتى في الأمور التي يدرك أهميتها.
إن الفرق بين الشخصين لم يبدأ بقرار مصيري، بل بعادة صغيرة كررها كل منهما حتى أصبحت جزءًا من شخصيته.
البيئة... الشريك الخفي في صناعة العادات
يظن كثير من الناس أن العادة تنشأ من الداخل فقط، لكن البيئة المحيطة تؤدي دورًا لا يقل أهمية.
فالإنسان يتأثر بما يراه يوميًا، وبالأشخاص الذين يعيش بينهم، وبالثقافة التي تحيط به.
ولهذا، فإن الطفل الذي ينشأ في بيت يعشق القراءة، يرى الكتاب أمرًا طبيعيًا، بينما قد يراه غيره شيئًا غريبًا إن لم يألفه منذ صغره.
وكذلك الموظف الذي يعمل في بيئة تحترم الوقت، يجد نفسه أكثر التزامًا، حتى لو لم يكن منضبطًا في السابق.
وقد أشار مالك بن نبي إلى أن بناء الإنسان لا ينفصل عن بناء البيئة والثقافة، وأن الأفكار والسلوكيات تنتقل داخل المجتمع كما تنتقل الخبرات.
ومن هنا، فإن تغيير العادة لا يكون دائمًا بتغيير الإنسان وحده، بل قد يبدأ أحيانًا بتغيير البيئة التي تغذي تلك العادة.
لماذا يصعب التخلص من العادات السيئة؟
يعرف كثير من الناس ما ينبغي عليهم فعله، لكنهم يجدون صعوبة في الالتزام به.
ولا يرجع ذلك دائمًا إلى ضعف الشخصية، بل لأن العادة القديمة بنت لنفسها مكانًا ثابتًا في حياة الإنسان.
فهي ترتبط بأوقات معينة، أو أماكن محددة، أو مشاعر متكررة.
ولهذا، فإن إزالة العادة لا تكون بمجرد إعلان الحرب عليها، بل بفهم الظروف التي تستدعيها، ثم استبدالها بعادة أفضل.
فالفراغ قد يدفع إلى الإفراط في استخدام الهاتف، والقلق قد يقود إلى الإفراط في الأكل، والتوتر قد يجعل الإنسان سريع الغضب.
وعندما يدرك الإنسان هذه الروابط، يصبح أقدر على تغييرها بطريقة واقعية.
العادة والانضباط
كثيرًا ما يُساء فهم الانضباط، فيُظن أنه حياة صارمة لا مكان فيها للراحة أو المتعة.
لكن الانضباط الحقيقي ليس قسوة على النفس، بل هو اتفاق هادئ بين الإنسان وأهدافه.
فالذي يعتاد النوم في وقت مناسب لا يفعل ذلك لأنه يعاقب نفسه، بل لأنه يعرف أثر هذه العادة في صحته.
والذي يخصص وقتًا ثابتًا للتعلم لا يحرم نفسه من الحياة، بل يستثمر جزءًا منها في بناء مستقبله.
ولهذا، فإن الانضباط لا يعني كثرة القوانين، وإنما ثبات العادات النافعة.
وقد قال رالف والدو إيمرسون:
«ما تفعله باستمرار يتحدث بصوت أعلى مما تقوله.»
وهذه العبارة تذكرنا بأن الناس لا يحكمون على الإنسان من وعوده، بل من عاداته التي يرونها تتكرر أمامهم.
هل يمكن للعادة أن تغيّر المصير؟
قد يبدو هذا السؤال مبالغًا فيه، لكن التاريخ يقدم أمثلة كثيرة على أشخاص لم يحققوا إنجازاتهم بضربة حظ، بل بسنوات من العادات الثابتة.
فالاختراعات العظيمة جاءت بعد آلاف ساعات من التعلم والتجربة.
والكتب الخالدة لم تُكتب في ليلة واحدة، بل عبر عادة الكتابة المستمرة.
والعلماء، والقادة، والمصلحون، لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه لأنهم امتلكوا مواهب فقط، بل لأنهم أحسنوا توجيه تلك المواهب بعادات منضبطة.
ولهذا، فإن المصير لا يتغير غالبًا بقرار واحد، بل بسلسلة من الأفعال الصغيرة التي يكررها الإنسان حتى تصبح طريقته الدائمة في العيش.
للتأمل
قال بليز باسكال ما معناه:
«الإنسان مزيج من الطبيعة والاعتياد، والاعتياد يصبح طبيعة ثانية.»
وهذه الفكرة من أعمق ما قيل في فهم العادة؛ لأنها تذكرنا بأن ما يكرره الإنسان اليوم قد يصبح غدًا جزءًا من شخصيته، حتى يظنه الناس طبعًا فطريًا، وهو في الأصل ثمرة ممارسة طويلة.
ولذلك، فإن الإنسان لا يبني عاداته فقط، بل إن عاداته تبني شخصيته، وتوجه قراراته، وتحدد إلى حد كبير الصورة التي سيكون عليها بعد سنوات.
تليد..

تعليقات
إرسال تعليق