القيمة الوجودية للإنسان على هذه الأرض

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:




القيمة الوجودية للإنسان على هذه الأرض

ليس أعسر على العقل من سؤالٍ لا يملك له ميزانًا، ولا أرهق للفؤاد من قضيةٍ تتوارى كلما ظنَّ أنه أدركها. ومن بين تلك القضايا جميعًا، ينهض سؤالٌ ظلَّ يتردد في ضمير الإنسان منذ أن وعى ذاته لأول مرة: ما قيمة هذا الكائن الذي يمشي على ظهر الأرض، ثم يطويه التراب كما طوى من قبله أممًا لا يحصيها العد؟

ليس السؤال عن مقدار القوة التي يملكها الإنسان، ولا عن اتساع سلطانه، ولا عن كثرة ما شيَّد من عمرانٍ أو أبدع من حضارة؛ فهذه جميعًا أعراضٌ تزول بزوال أسبابها. وإنما السؤال عن القيمة الوجودية لذلك الكائن الذي اجتمع فيه ضعف الجسد، وجموح الفكر، واتساع الخيال، وضيق العمر. كيف استطاع مخلوقٌ لا يكاد يُرى إذا قيس بأبعاد الكون أن يجعل من وجوده قضيةً تستحق التأمل؟

إن الأرض لم تُخلق للإنسان وحده، ولم يكن أول من وطئ ثراها، ولن يكون آخر من يغادرها. فقد تعاقبت عليها مخلوقاتٌ لا يعلم عددها إلا خالقها، ثم انقضت كما تنقضي الأمواج على ساحل البحر، لا تُبقي من صخبها إلا أثرًا خافتًا. ومع ذلك، لم يُعرف في هذا العالم كائنٌ حمل عبءَ السؤال كما حمله الإنسان؛ فهو المخلوق الذي لا يكتفي بأن يعيش، بل يفتش عن علة حياته، ولا يرضى بالوجود حتى يسأل عن غايته.

وما أعجب هذا التناقض! فالإنسان أصغر من أن يغيِّر حركة الأفلاك، وأضعف من أن يوقف دوران الأرض، وأقصر عمرًا من أن يشهد إلا ومضةً من تاريخ الكون، لكنه الكائن الوحيد الذي استطاع أن يجعل الكون كله موضوعًا لتأمله. يقف على ذرةٍ عائمة في فضاءٍ لا يُحد، ثم يرفع بصره إلى المجرات، ويسأل بثقةٍ تكاد تلامس الجرأة: لماذا أنا هنا؟

ولعل مأساة الإنسان الكبرى أنه كثيرًا ما يستبدل هذا السؤال العظيم بأسئلةٍ وضيعة؛ فيقيس قدره بما يملك، ويزن منزلته بما يقال عنه، حتى يغدو أسير الأرقام والألقاب، ناسِيًا أن الأشياء التي تُضاف إليه ليست هي التي تمنحه قيمته. فالذهب يغيِّر يد صاحبه، والسلطان ينتقل، والشهرة يطويها النسيان، أما القيمة التي تستقر في جوهر الإنسان فلا يهبها مال، ولا ينتزعها فقر، لأنها أعمق من كل ما يُقتنى، وأبقى من كل ما يفنى.

إن قيمة الإنسان لا تُستمد من ضآلة حجمه في الكون ولا من عظمة أثره فيه، بل من ذلك السر العجيب الذي جعله واعيًا بوجوده، قادرًا على الاختيار، مسؤولًا عن أفعاله، ومؤهلًا لأن يعمر الأرض أو يفسدها. ومن هنا تبدأ رحلته الحقيقية؛ رحلة البحث عن معنى وجوده، لا عن طول بقائه، وعن جودة أثره، لا عن كثرة إنجازه.

ولعل الحقيقة التي يغفل عنها أكثر الناس أن الإنسان لا يُقاس بما يملأ به الأرض من ضجيج، بل بما يتركه فيها من معنى. فكم من عابرٍ لم يخلِّف وراءه إلا غبار الطريق، وكم من إنسانٍ غاب جسده، وبقي أثره حيًّا في الضمائر، كأن الزمن نفسه عجز عن محو بصمته.


الإنسان بين ضآلة الجسد وعظمة الأثر

لو كانت القيمة تُقاس بالحجم، لكان الجبل أشرف من الإنسان، ولغدت المحيطات أحق بالحياة منه، ولأصبحت النجوم التي لا يبلغها بصره أعظم قدرًا لمجرد اتساعها. غير أن الوجود لا يعرف هذا الميزان؛ فكم من شيءٍ عظيم الكتلة، خامل الأثر، وكم من شيءٍ ضئيل المقدار، غيَّر مجرى التاريخ.

إن الإنسان، إذا نظر إلى نفسه بعين المادة وحدها، لم يجد إلا جسدًا هشًّا، تعصف به العلل، ويستسلم للزمن، ويؤول آخر أمره إلى ترابٍ كان منه خُلق. ولكن هذه الحقيقة، على بداهتها، ليست إلا نصف المشهد؛ إذ ليس الإنسان جسدًا يسير على الأرض فحسب، بل هو عقلٌ يجاوز حدود جسده، وضميرٌ يحاكم أفعاله، وخيالٌ يمتد إلى ما وراء الأفق، وروحٌ لا تزال تسأل عما لا تدركه الحواس.

ولولا هذا الوعي، لما اختلف الإنسان عن سائر الكائنات إلا في الصورة. فالطير يبني عشه، والنحل يشيد خليته، والنمل يقيم نظامه، وكلها أعمالٌ تُدهش العقول. لكن الإنسان وحده هو الذي يبني مدينة، ثم يقف بعد قرون يتساءل: هل كان ما صنعته خيرًا أم شرًا؟ فهو لا يصنع الأشياء فحسب، بل يُخضعها للمساءلة، ويحاسب نفسه عليها، ويبحث عن معناها بعد اكتمالها.

وهنا يتجلى الفرق بين الوجود والحياة؛ فالوجود أن تكون حاضرًا في هذا العالم، أما الحياة فهي أن يكون لحضورك معنى يتجاوز حضورك ذاته.

إن كثيرًا من الناس يعيشون أعمارًا طويلة، لكن الزمن يعبر فوقهم كما تعبر الريح فوق الصحراء، فلا يترك مرورهم أثرًا إلا في سجلات المواليد والوفيات. وفي المقابل، قد يعيش إنسان سنواتٍ معدودات، ثم يغرس في ضمير البشرية فكرةً، أو يوقظ في النفوس فضيلةً، أو يدفع المعرفة خطوةً إلى الأمام، فيصبح عمره أقصر من أثره، ويغدو حضوره ممتدًا بعد غيابه.

ومن هنا، فإن القيمة الوجودية للإنسان لا تُقاس بطول ما عاش، ولا بعرض ما ملك، ولا بعدد من عرفوه، وإنما بما أضافه إلى هذا العالم من خير، أو علم، أو عدل، أو رحمة. فالوجود لا يحتفي بمن شغل حيِّزًا من المكان، وإنما بمن ملأ فراغًا في المعنى.

ولعل أعظم ما أُوتيه الإنسان هو حرية الاختيار؛ فهي النعمة التي جعلت منه كائنًا مسؤولًا، لا مجرد مخلوقٍ منقاد. يستطيع أن يبني كما يستطيع أن يهدم، وأن يرحم كما يستطيع أن يقسو، وأن يسمو فوق شهواته كما يستطيع أن يستسلم لها. ولذلك كانت قيمة الإنسان كامنةً في اختياراته قبل أن تكون في إنجازاته؛ لأن الإنجاز قد تفرضه الظروف، أما الاختيار فيكشف حقيقة صاحبه.

إن الأرض لم تكن يومًا في حاجة إلى مزيدٍ من الأجساد تمشي فوقها، بقدر حاجتها إلى عقولٍ تُبصر، وقلوبٍ تُنصف، وأيدٍ تعمر ولا تفسد. فكل خطوةٍ يخطوها الإنسان تترك أثرًا، وكل كلمةٍ ينطق بها تُسهم في تشكيل عالمٍ سيعيش فيه غيره، وكل قرارٍ يتخذه يمتد أثره إلى ما هو أبعد من حياته الشخصية.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: كم تساوي حياة الإنسان؟ بل: ماذا يصنع الإنسان بالحياة التي أُودعت بين يديه؟ ففي الجواب عن هذا السؤال تتكشف القيمة الوجودية، ويتبين الفرق بين من مرَّ على الأرض عابرًا، ومن جعل من عبوره رسالةً، ومن وجوده معنى، ومن حياته شاهدًا على أن الكائن الصغير في حجمه قد يكون عظيمًا بما يحمله من وعيٍ ومسؤولية.





                                      تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة