الوفاء ..

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:





﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾
— سورة الإسراء، الآية 34.


مقدمة(الجزء الأول)

ليست جميع القيم الإنسانية متساوية في أثرها، فبعضها يجعل الحياة أكثر جمالًا، وبعضها يجعلها ممكنة أصلًا.

ومن بين هذه القيم، يبرز الوفاء بوصفه أحد الأعمدة التي تقوم عليها الثقة بين البشر. فلو اختفى الوفاء من حياة الناس، لفقدت الوعود معناها، ولانهارت الصداقات، واضطربت الأسر، وضعفت المؤسسات، وأصبح التعاون بين الأفراد أمرًا بالغ الصعوبة.

فالإنسان لا يستطيع أن يعيش وحده، بل يعتمد في حياته على شبكة واسعة من العلاقات. وهذه العلاقات لا يحفظها القانون وحده، ولا المصلحة وحدها، وإنما يحفظها أيضًا شعور داخلي يدفع الإنسان إلى احترام عهوده، والتمسك بكلمته، ورد الجميل، وعدم التخلي عمن وثق به.

ولهذا، لم يكن الوفاء في نظر الحكماء مجرد خلق حسن، بل كان مقياسًا لصدق الشخصية، ودليلًا على قوة الضمير.

وقد احتفى به الشعراء، وجعله الفلاسفة أساسًا للأخلاق، وعدّته الأديان من أجلِّ الفضائل، لأن المجتمع الذي ينتشر فيه الوفاء يكون أكثر استقرارًا، وأقوى تماسكًا، وأكثر قدرة على تجاوز الأزمات.

لكن يبقى السؤال الأهم:

هل يولد الإنسان وفيًّا، أم أن الوفاء فضيلة يكتسبها بالتربية والخبرة؟

وهل يبقى الوفاء مطلوبًا في جميع الظروف، أم أن له حدودًا يفرضها العدل والعقل؟

هذه الأسئلة رافقت الفكر الإنساني منذ قرون، وما زالت تحتفظ بأهميتها حتى اليوم.


ما معنى الوفاء؟

في أبسط معانيه، يعني الوفاء الثبات على العهد، وعدم التخلي عن المسؤولية أو العلاقة أو المبدأ دون سبب أخلاقي مشروع.

غير أن هذا التعريف لا يكشف كل أبعاد المفهوم.

فالوفاء ليس مجرد تنفيذ وعد، بل هو موقف داخلي يقوم على الصدق، والالتزام، والاعتراف بقيمة الآخر.

فالإنسان الوفي لا يتغير بتغير الظروف وحدها، ولا يجعل المصلحة الشخصية معيارًا وحيدًا لعلاقاته.

ولهذا، قد يكون الوفاء لصديق، أو لأسرة، أو لوطن، أو لمعلم، أو لفكرة آمن بها الإنسان بعد اقتناع.

وفي جميع هذه الصور، يبقى العنصر المشترك هو الثبات على الخير مع حفظ الحقوق والكرامة.


لماذا يحتاج الإنسان إلى الوفاء؟

لو تأملنا الحياة اليومية، لوجدنا أن معظم العلاقات تقوم على الثقة.

فالطالب يثق بمعلمه.

والمريض يثق بطبيبه.

والموظف يثق بمؤسسته.

والأبناء يثقون بوالديهم.

ولا يمكن لهذه الثقة أن تستمر إذا غاب الوفاء.

فالوفاء يمنح الإنسان شعورًا بالأمان، لأنه يعلم أن من أمامه لن يتخلى عنه عند أول اختبار، ولن ينقض عهده عند أول مصلحة.

ولهذا، فإن الوفاء لا يحمي العلاقات الفردية فقط، بل يحمي المجتمع كله.


أرسطو... الوفاء ثمرة الفضيلة

لم يستخدم أرسطو مصطلح الوفاء بمعناه المتداول اليوم، لكنه ربط الأخلاق جميعها بمفهوم الفضيلة.

فالإنسان الفاضل، عنده، هو الذي يلتزم بالخير عن اقتناع، لا خوفًا من العقاب، ولا طمعًا في المكافأة.

ومن هنا، فإن الوفاء لا يكون وفاءً حقيقيًا إذا كان سببه المنفعة فقط.

فالذي يبقى مع صديقه ما دام غنيًا، ثم يتركه عند الشدة، لم يكن وفيًا، وإنما كان مرتبطًا بالمصلحة.

أما الوفاء القائم على الفضيلة، فإنه يظهر عندما تصبح المبادئ أقوى من الظروف، ويصبح احترام العهد جزءًا من شخصية الإنسان.

ولهذا، كان أرسطو يرى أن الأخلاق لا تُقاس بالأقوال، بل بالأفعال المتكررة التي تصنع شخصية الإنسان.


الوفاء بين العقل والعاطفة

يخطئ من يظن أن الوفاء عاطفة فقط.

فقد تدفعنا المشاعر إلى الارتباط بشخص ما، لكن الوفاء هو القرار الذي يجعلنا نحافظ على هذه العلاقة، ما دامت قائمة على الخير والاحترام.

ولهذا، فإن الوفاء يجمع بين القلب والعقل.

فالقلب يمنح المحبة، والعقل يوجهها حتى لا تتحول إلى تعلق أعمى أو تنازل عن الكرامة.

ومن هنا، فإن الوفاء لا يعني قبول الظلم، ولا الاستمرار في علاقة مؤذية، ولا الدفاع عن الخطأ.

فالوفاء الحقيقي لا ينفصل عن العدل، ولا يتعارض مع احترام النفس.

بل إن أسمى درجات الوفاء هي الوفاء للمبادئ التي تمنع الإنسان من الوقوع في الظلم أو الخيانة، مهما كانت المغريات.




                                 تَليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة