حين تتهشم دميع المرايا .. من برأيك سيبقى ؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:






حين تنطفئ جميع المرايا... من يبقى؟

تخيل، ولو لبرهة، أن العالم قد خلا من كل عينٍ تنظر إليك.

لا مديح يُقال.

ولا نقد يُسمع.

ولا تصفيق يرفعك.

ولا استهجان يُسقطك.

ولا اسمٌ تتداوله الألسنة.

ولا صورةٌ يتناقلها الناس.

ولا مكانةٌ اجتماعية، ولا لقب، ولا شهرة، ولا سلطة، ولا جمهور.

تخيل أنك بقيت وحدك...

من تكون؟

إن هذا السؤال، على بساطته، قد يكون أعظم سؤالٍ يواجه الإنسان في حياته كلها.

لأن أكثر الناس لا يعرفون أنفسهم خارج الأدوار التي يؤدونها.

فهذا يعرف نفسه بوظيفته.

وذاك بثروته.

وثالثٌ بمنصبه.

ورابعٌ بعدد من يعرفونه.

حتى إذا سقط عنه كل ذلك، وقف أمام ذاته حائرًا، كأنما يلتقيها لأول مرة.

ولعل الحقيقة التي يهرب منها الإنسان أن أكثر ما يدافع عنه في حياته ليس ذاته، بل الصورة التي كوَّنها عنها.

فكم من إنسانٍ أنهكه الحفاظ على صورة الحكيم، وهو في داخله تائه.

وكم من إنسانٍ أثقلته صورة القوي، بينما كان قلبه يتمنى لو وجد كتفًا يبكي عليه.

وكم من إنسانٍ عاش عمره كله يخشى أن يراه الناس ضعيفًا، حتى نسي أن الضعف جزءٌ من إنسانيته، لا وصمةٌ في وجوده.

إن المرايا الخارجية لا تعكس حقيقتنا، وإنما تعكس زوايا منها.

فالناس يرون ما نظهره، ولا يرون ما نخفيه.

يحكمون على الكلمة، ولا يعلمون صراع الفكرة قبل أن تولد.

يشاهدون الابتسامة، ولا يسمعون الضجيج الذي يسبقها في القلب.

ولهذا، فإن من يبني قيمته على أعين الناس، يبنيها على أرضٍ كثيرة الزلازل.

فالقلوب تتقلب.

والأذواق تتغير.

ومن صفق لك اليوم، قد ينصرف عنك غدًا، لا لأنك تغيرت، بل لأنه تغير.

فهل يجوز أن يتغير تعريفك لنفسك كلما تغير تعريف الناس لك؟

إن الإنسان لا يبلغ تمام نضجه حين يتعلم كيف يُقنع الآخرين، بل حين يتوقف عن جعل إقناعهم غايةً لوجوده.

وهناك، في تلك اللحظة الهادئة التي ينفض فيها عن روحه غبار التمثيل، يكتشف أن أعظم انتصارٍ لا يكون على الناس، بل على الخوف من الناس.

الخوف من أحكامهم.

ومن رفضهم.

ومن إساءة فهمهم.

ومن خيبة صورته في أعينهم.

وحين يسقط هذا الخوف، لا يصبح الإنسان متكبرًا، ولا متجردًا من مشاعر البشر، بل يصبح أكثر صدقًا.

يقول الحق وإن خالف هواه.

ويعتذر إذا أخطأ، لأنه لم يعد يرى الاعتذار نقصًا في صورته.

ويعترف بجهله، لأن الحقيقة أصبحت عنده أشرف من الادعاء.

ويصمت حين لا يملك علمًا، لأن احترامه لضميره غلب رغبته في الظهور.

ولعل أعظم الحرية ليست أن تفعل ما تريد، وإنما أن تتحرر من الحاجة الدائمة لأن يصفق لك أحد.

فإن استطعت أن تبقى أمينًا لمبادئك في غياب الثناء، وصادقًا مع نفسك في حضور الإغراء، ومطمئنًا إلى ضميرك وإن أساء الناس فهمك، فقد بلغت منزلةً لا تمنحها المناصب، ولا تشتريها الأموال، ولا يصنعها التصفيق.

وعندها فقط...

لن تسأل كل صباح:

كيف يراني الناس؟

بل ستسأل السؤال الذي غفل عنه أكثر البشر:

هل أستطيع أن أنظر إلى نفسي دون أن أشيح ببصري؟

فإذا استطعت...

فقد ربحت أعظم انتصارٍ يمكن لإنسانٍ أن يحرزه في هذه الحياة.

لأن الإنسان الذي يعرف نفسه حق المعرفة، لا يحتاج إلى أن يعيش داخل مرايا الآخرين.

إنه يمشي مطمئنًا، لا لأن الجميع يحبونه، ولا لأن الجميع يمدحونه، بل لأنه لم يعد غريبًا عن نفسه.

وهذه، في ظني، هي أثمن ثروةٍ يمكن أن يملكها الإنسان؛ أن يعود، بعد رحلةٍ طويلةٍ بين ضجيج العالم، إلى ذاته، فيجدها ما تزال تنتظره، لم تُفسدها المظاهر، ولم تُبعثرها أحكام الناس، ولم تُغرقها الرغبة في أن تكون نسخةً ترضي الجميع.

فمن عرف نفسه، أدرك أن رضا الناس غايةٌ لا تُدرك، وأن رضا الضمير طريقٌ لا يضل سالكه.

ومن ظل يبحث عن وجهه في عيون الآخرين، عاش أسيرًا لمرايا لا تثبت على صورة، ولا تستقر على حكم.


أما من أبصر نفسه ببصيرة الصدق، فقد وجد المرآة الوحيدة التي لا تكذب.









                                                 تـليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة