هل يختار الانسان مصيره؟ أم أن كل قرار يرسم جزءًا منه؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:






هل يختار الإنسان مصيره؟ أم أن كل قرار يرسم جزءًا منه؟ (الجزء الثاني)

هل الإنسان حر في اختياراته؟

منذ آلاف السنين، لم يتوقف الإنسان عن طرح هذا السؤال.

جلس الفلاسفة يتناقشون حوله، واختلفت فيه المدارس الفكرية، وتأمل فيه علماء النفس، لأنه لا يتعلق بمجرد قرار يتخذه الإنسان، بل يتعلق بفهمه لنفسه وللحياة كلها.

فهل نحن أحرار حقًا؟

أم أننا نسير في طريق رسمته الظروف قبل أن نولد؟

قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يخفي وراءه طبقات عميقة من التفكير.

فالإنسان لا يختار زمن ولادته، ولا وطنه، ولا أسرته، ولا صفاته الجسدية، ولا كثيرًا من الأحداث التي تعترض طريقه.

لكنه، في المقابل، يختار كيف يتعامل مع تلك الظروف.

وهنا يكمن الفرق بين ما يحدث للإنسان وما يفعله الإنسان بما يحدث له.

فقد يتعرض شخصان للابتلاء نفسه، فيخرج أحدهما أكثر قوة ونضجًا، بينما يستسلم الآخر ويجعل التجربة نهاية لطموحه.

الحدث واحد، لكن الاختيار مختلف.

ولهذا فإن الإنسان لا يملك دائمًا رسم الطريق الذي يسير فيه، لكنه يملك أن يحدد الطريقة التي سيواصل بها السير.


الاختيار في المنظور الإسلامي

من أكثر المفاهيم التي يساء فهمها العلاقة بين القدر والاختيار.

فبعض الناس يتصور أن الإيمان بالقدر يعني أن الإنسان لا يملك أي إرادة، وأن كل ما يفعله مفروض عليه، وهذا فهم لا ينسجم مع جوهر التكليف في الإسلام.

لقد جعل الله تعالى الإنسان مسؤولًا عن أفعاله، وأعطاه القدرة على الاختيار، ثم يحاسبه على ما اختاره بإرادته.

قال تعالى:

﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (سورة البلد: 10).

أي بيّن له طريق الخير وطريق الشر، ثم ترك له مسؤولية الاختيار.

وقال سبحانه:

﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (سورة الكهف: 29).

وهذه الآية لا تدعو إلى الكفر، وإنما تؤكد أن الإنسان يختار، ثم يتحمل تبعة اختياره.

ومن أروع ما قاله علماء الإسلام في هذا الباب إن الإنسان لا يعلم الغيب، ولذلك فهو مأمور بأن يعمل، لا بأن يحتج بالقدر على تقصيره.

فالطالب لا يترك المذاكرة بحجة أن النجاح مكتوب.

والمزارع لا يهمل أرضه بحجة أن الرزق مقدر.

والتاجر لا يجلس في بيته منتظرًا الأرباح.

إن الأخذ بالأسباب جزء من الإيمان، كما أن الرضا بما يقدره الله بعد بذل الجهد هو تمام الإيمان.

ولهذا، فإن الإسلام يجمع بين أمرين عظيمين:

أن تعمل وكأن النتائج مرتبطة بجهدك.

وأن تطمئن إذا جاءت النتائج على غير ما أردت، لأن لله حكمة قد لا تراها في تلك اللحظة.


القرارات الصغيرة... القوة التي لا ننتبه إليها

يظن كثير من الناس أن حياتهم تتغير بسبب القرارات الكبرى فقط.

لكن الحقيقة أن أغلب المصائر تصنعها قرارات صغيرة تتكرر كل يوم.

قرار أن تستيقظ مبكرًا.

قرار أن تقرأ عشر صفحات يوميًا.

قرار أن تؤجل عملك مرة أخرى.

قرار أن تعتذر عندما تخطئ.

قرار أن تغضب أو أن تصبر.

هذه القرارات تبدو عادية، لكنها مع مرور السنوات تصبح عادة، ثم تتحول العادة إلى شخصية، ثم تصنع الشخصية نوع الحياة التي يعيشها الإنسان.

ولهذا فإن الفارق بين شخصين بعد عشرين عامًا قد لا يكون قرارًا واحدًا ضخمًا، بل مئات القرارات الصغيرة التي اتخذها كل واحد منهما دون أن ينتبه إلى أثرها التراكمي.


لماذا يندم الإنسان؟

الندم شعور إنساني طبيعي، لكنه يحمل في داخله مفارقة غريبة.

فنحن نحاكم قرارات الأمس بعقول اليوم.

بعد سنوات من التجربة والخبرة، ينظر الإنسان إلى قرار قديم ويتساءل:

"كيف وافقت على ذلك؟"

لكنه ينسى أنه عندما اتخذ ذلك القرار، لم يكن يمتلك المعرفة التي يمتلكها الآن.

ولو عاد الزمن حقًا، مع العقل نفسه الذي كان يملكه آنذاك، فقد يكرر القرار ذاته.

وهذا لا يعني أن الإنسان معذور دائمًا، بل يعني أن القسوة على النفس لا تغير الماضي.

أما التعلم منه، فهو الذي يصنع المستقبل.

ولهذا قال فيكتور فرانكل بمعنى قوله إن الإنسان قد لا يستطيع اختيار كل الظروف التي يعيشها، لكنه يستطيع أن يختار موقفه منها.

وهذه الفكرة ليست دعوة للاستسلام، بل دعوة لتحويل التجارب، حتى المؤلمة منها، إلى خبرة ونضج.


عندما غيّر قرار واحد مجرى التاريخ

التاريخ مليء بلحظات كان فيها قرار واحد نقطة فاصلة.

لم يكن أصحاب تلك القرارات يعلمون أنهم يكتبون صفحة جديدة في تاريخ البشرية، لكنهم امتلكوا شجاعة الاختيار عندما تردد غيرهم.

فالهجرات الكبرى، والاكتشافات العلمية، والإصلاحات الاجتماعية، وبدايات كثير من الحضارات، بدأت بقرار لم يكن أحد يعرف إلى أين سيقود.

وليس المقصود أن كل قرار سيغير العالم، وإنما أن الإنسان لا يستطيع أن يعرف قيمة قراره إلا بعد أن يمنحه فرصة ليؤتي ثماره.

فالبذرة لا تكشف عن الشجرة في يومها الأول، وكذلك القرار الحكيم لا تظهر نتائجه دائمًا في اللحظة نفسها.


هل يمكن للإنسان أن يغيّر مصيره؟

إذا كان المقصود بالمصير ما كُتب في علم الله، فإن علمه سبحانه محيط بكل شيء.

أما إذا كان المقصود بالمصير هو الطريق الذي يسلكه الإنسان في حياته، فإن الاختيارات التي يتخذها كل يوم هي التي ترسم معالم هذا الطريق.

فالإنسان لا يختار بداية حياته، لكنه يملك مساحة واسعة في رسم كثير من تفاصيلها.

وقد لا يستطيع منع العاصفة، لكنه يستطيع أن يتعلم كيف يوجه شراعه.

وهنا تتجلى قيمة الإرادة؛ فهي لا تلغي الظروف، لكنها تمنع الظروف من أن تكون التفسير الوحيد لكل ما يحدث.


للتأمل

كتب مالك بن نبي ما معناه أن مشكلات الأمم لا تبدأ من قلة الإمكانات، بل من طريقة التفكير التي تحدد كيف تُستثمر تلك الإمكانات.

وهذه الفكرة لا تنطبق على المجتمعات وحدها، بل على الأفراد أيضًا.

فقد يمتلك شخصان الفرص نفسها، لكن أحدهما يحسن اختيار الطريق، بينما يبدد الآخر ما أُتيح له بسبب التردد، أو الاستسلام، أو سوء التقدير.

ومن هنا، فإن الاختيار ليس لحظة عابرة، بل هو عادة عقلية وأخلاقية تتكرر كل يوم، حتى تصنع في النهاية قصة حياة كاملة.




                                           تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة