هل يختار الانسان مصيره؟ أم أن كل قرار يرسم جزءًا منه؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:





هل يختار الإنسان مصيره؟ أم أن كل قرار يرسم جزءًا منه؟ (الجزء الثالث والأخير)

كيف يتخذ الإنسان قرارًا حكيمًا؟

لا يوجد إنسان وُلد وهو يعرف دائمًا الطريق الصحيح، ولا أحد يستطيع أن يضمن أن كل قرار سيتخذه سيكون صائبًا. ولو كان الأمر كذلك، لما عرف البشر معنى الخبرة، ولا احتاجوا إلى التعلم من تجاربهم.

إن الحكمة ليست في امتلاك قدرة خارقة على معرفة المستقبل، وإنما في امتلاك منهج سليم لاتخاذ القرار.

فالقرار الحكيم لا يقوم على الاندفاع وحده، ولا على الخوف وحده، بل يقوم على الموازنة بين العقل والعاطفة، وبين الطموح والواقع، وبين الشجاعة والحذر.

ومن أكثر الأخطاء شيوعًا أن يتخذ الإنسان قراره في ذروة الغضب أو في قمة الفرح، لأن المشاعر القوية قد تحجب عنه رؤية جوانب لا تظهر إلا بعد أن تهدأ النفس.

ولهذا كان الحكماء ينصحون بالتريث في القرارات المصيرية، لا ترددًا، بل طلبًا لوضوح الرؤية.

وقد قال ابن القيم الجوزية بمعنى كلامه: إن العاقل لا ينظر إلى بداية الطريق فقط، بل يتأمل نهايته أيضًا.

فالقرار الذي يحقق راحة مؤقتة قد يجلب تعبًا طويلًا، والقرار الذي يبدو صعبًا اليوم قد يكون سببًا في راحة تمتد سنوات.


هل يمكن إصلاح أثر القرارات الخاطئة؟

من أكثر الأفكار التي تثقل الإنسان اعتقاده أن خطأً واحدًا أنهى مستقبله إلى الأبد.

لكن الحياة لا تسير بهذه القسوة.

فكثير من العظماء الذين غيّروا مجرى التاريخ لم تبدأ حياتهم بسلسلة من القرارات الناجحة، بل عرفوا الإخفاق، والندم، والتراجع، ثم امتلكوا الشجاعة للبدء من جديد.

إن الخطأ لا يصبح مأساة إلا إذا أصر الإنسان على تكراره، أو جعل منه هويةً يعيش داخلها.

أما إذا تحوّل إلى درس، فإنه يصبح جزءًا من النضج.

ولعل أجمل ما في الحياة أنها تمنح الإنسان فرصًا متكررة لتصحيح الاتجاه، ما دام حيًا وقادرًا على المراجعة.

فالطريق الطويل لا يفسده منعطف واحد، كما أن السفينة إذا انحرفت قليلًا، تستطيع أن تعود إلى مسارها متى أدرك ربانها ذلك.

ولهذا، فإن القرار الخاطئ ليس دائمًا نهاية القصة، بل قد يكون بداية فصل أكثر حكمة.


بين الندم واليقظة

ليس كل ندم مذمومًا.

فهناك ندم يستهلك الإنسان، فيبقيه أسير الماضي، يعيد المشاهد نفسها، ويكرر الأسئلة ذاتها دون أن يغير شيئًا.

وهناك ندم آخر، أكثر نبلًا، يحول الألم إلى بصيرة.

فالإنسان الذي يعترف بخطئه، ويتعلم منه، ويعيد بناء نفسه، لا يعيش الندم بوصفه عقوبة، بل بوصفه معلمًا.

وقد يكون هذا النوع من الندم هو الذي يدفع الإنسان إلى اتخاذ أفضل قرارات حياته لاحقًا.

إن الماضي لا يمكن تغييره، لكن المعنى الذي نستخلصه منه يمكن أن يغيّر المستقبل كله.


ماذا لو خفت من الاختيار؟

الخوف من القرار طبيعي، لكن تحويل الخوف إلى أسلوب حياة هو ما يحرم الإنسان من كثير من الفرص.

إن الذين يحققون إنجازات كبيرة ليسوا أشخاصًا لا يخافون، بل أشخاصًا تعلموا أن الخوف لا ينبغي أن يكون قائدًا.

فالفرق بين الشجاع والمتردد ليس غياب الخوف، وإنما طريقة التعامل معه.

وليس المطلوب أن يقفز الإنسان إلى المجهول دون تفكير، وإنما أن يدرس، ويستخير، ويستشير، ثم يمضي إذا ترجحت لديه المصلحة.

فالانتظار الدائم بحثًا عن القرار الكامل قد يحرم الإنسان من القرار المناسب.

ولا توجد حياة تخلو من المخاطرة، لكن هناك فرقًا بين مخاطرة محسوبة تُبنى على العلم والخبرة، ومجازفة عشوائية تُبنى على الاندفاع.


القرار... مسؤولية وأمل

من أجمل ما في الإنسان أنه قادر على مراجعة نفسه.

فالقرار الذي اتخذه بالأمس لا يمنعه من اتخاذ قرار أفضل اليوم.

والطريق الذي اختاره في مرحلة من حياته لا يمنعه من تغيير اتجاهه إذا اكتشف أنه أخطأ.

ولهذا، فإن الحرية ليست أن يختار الإنسان مرة واحدة، بل أن يظل قادرًا على التعلم، والتصحيح، والنمو.

إن أعظم القرارات ليست تلك التي تغيّر المكان الذي يعيش فيه الإنسان، بل التي تغيّر الإنسان نفسه.

فعندما يقرر أن يصبح أكثر صدقًا، أو أكثر علمًا، أو أكثر رحمة، فإنه لا يغيّر يومًا واحدًا من حياته، بل يغيّر الطريقة التي سيعيش بها بقية أيامه.


خاتمة

ربما لا يملك الإنسان أن يختار اليوم الذي وُلد فيه، ولا الأسرة التي نشأ بينها، ولا كثيرًا من الظروف التي واجهته في طريقه.

لكنه يملك شيئًا لا يقل قيمة عن ذلك كله: الاستجابة.

فبين الحدث وردة الفعل، توجد مساحة صغيرة، وفي تلك المساحة تتشكل الشخصية، وتولد القرارات، ويبدأ رسم المصير.

إن الحياة ليست طريقًا مستقيمًا يسير عليه الجميع بالطريقة نفسها، بل هي شبكة من الخيارات، بعضها واضح، وبعضها يختبئ داخل تفاصيل الأيام.

وقد لا نعرف في لحظة الاختيار إلى أين سيقودنا الطريق، لكننا نعرف أن التردد الدائم لا يصنع مستقبلًا، وأن الجرأة العاقلة، حين تقترن بالحكمة والتوكل على الله، تفتح أبوابًا لم يكن الإنسان يتخيل وجودها.

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل أملك أن أغيّر كل ما سيحدث لي؟

بل هو:

هل سأحسن اختيار موقفي، وقراري، وعَملي، عندما تضعني الحياة أمام مفترق جديد؟

فالمصير لا يُكتب بقفزة واحدة، بل يُرسم كل يوم، بقرار، ثم بقرار، ثم بقرار آخر.





                                       تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة