الهوية ....2

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:





ديفيد هيوم... هل الذات حقيقة أم مجرد انطباعات متتابعة؟

إذا كان جون لوك قد جعل الذاكرة حجر الأساس في الهوية الشخصية، فإن ديفيد هيوم اتخذ طريقًا مختلفًا، بل أكثر جرأة.

تساءل هيوم: عندما يقول الإنسان "أنا"، إلى أي شيء يشير تحديدًا؟ هل توجد داخل الإنسان ذات ثابتة يمكن العثور عليها؟ أم أن ما نسميه "الذات" ليس سوى اسم نطلقه على سلسلة متتابعة من الأحاسيس، والأفكار، والانفعالات، والذكريات؟

كان هيوم شديد الدقة في ملاحظاته. فقد رأى أنه كلما حاول أن يفتش في داخله عن "الذات" بوصفها شيئًا مستقلًا، لم يجد إلا إحساسًا، أو فكرة، أو انفعالًا، أو ذكرى. أما الذات الثابتة، فلم يعثر عليها بوصفها كيانًا منفصلًا.

ولهذا شبَّه العقل بمسرح تتعاقب عليه المشاهد بلا توقف؛ تظهر الأفكار ثم تختفي، وتحل محلها أفكار أخرى، وتتغير المشاعر، وتتبدل الرغبات، بينما يظن الإنسان أن هناك ذاتًا ثابتة تدير كل ذلك.

لم يقصد هيوم أن الإنسان غير موجود، وإنما أراد أن يلفت الانتباه إلى أن شعورنا بوحدة الذات قد يكون نتيجة الترابط المستمر بين الخبرات، لا دليلًا على وجود جوهر ثابت يمكن الإمساك به.

وقد أثارت هذه الفكرة نقاشًا فلسفيًا واسعًا، لأنها هزّت واحدة من أكثر المسلمات رسوخًا في الفكر الإنساني.

بين التغير والثبات

إذا تأمل الإنسان حياته بصدق، فسوف يكتشف أنه لم يبقَ كما كان قبل عشر سنوات، وربما حتى قبل عام واحد.

الكتب التي كان يحبها قد تغيرت، والأشخاص الذين كان يعدهم قريبين قد ابتعدوا، والأحلام التي كانت تشغل قلبه ربما استبدلت بأخرى أكثر نضجًا أو أكثر واقعية.

ومع ذلك، يبقى شعوره بأنه هو الشخص نفسه.

هذا التناقض الظاهري بين التغير والاستمرار هو ما جعل سؤال الهوية من أعقد الأسئلة الفلسفية.

فالإنسان يتغير باستمرار، لكنه لا يشعر بأنه يولد من جديد كل صباح.

ولعل الحقيقة تكمن في أن الهوية ليست حجرًا جامدًا لا يتبدل، وليست كذلك ماءً يتغير حتى يفقد شكله تمامًا، وإنما هي عملية مستمرة من البناء.

فالإنسان يحمل ماضيه معه، لكنه لا يعيش أسيرًا له، ويستقبل مستقبله، لكنه لا يفقد جذوره، ويعيد تشكيل نفسه مع كل تجربة، دون أن ينقطع الخيط الذي يربط جميع مراحل حياته.

ولهذا، فإن الهوية ليست رفضًا للتغير، بل هي القدرة على التغير دون فقدان الجوهر الأخلاقي والإنساني.

هل نصبح أشخاصًا مختلفين مع مرور الزمن؟

يقال أحيانًا إن الإنسان يتغير بالكامل، ويقال أحيانًا أخرى إنه لا يتغير أبدًا.

والواقع أن كلا الرأيين يحمل جانبًا من الحقيقة.

فالإنسان يتغير في معارفه، وتجاربه، وأولوياته، وطريقة نظره إلى الحياة. وما كان يراه مستحيلًا في شبابه قد يراه ممكنًا بعد سنوات، وما كان يعده نجاحًا قد يعيد تعريفه مع نضجه.

لكن هذا التغير لا يعني بالضرورة أن شخصيته تُمحى وتُستبدل بأخرى، بل يعني أن الذات تنمو، كما تنمو الشجرة من بذرة صغيرة إلى جذع عظيم، مع احتفاظها بهويتها.

إن النضج الحقيقي لا يقتضي أن يتخلى الإنسان عن ذاته، وإنما أن يطوّرها.

ولهذا، فإن أجمل صور الهوية ليست الثبات المطلق، بل التطور الواعي.

فالإنسان الذي يتعلم من أخطائه، ويهذب أخلاقه، ويوسع أفقه، لا يفقد هويته، بل يجعلها أكثر عمقًا.

الهوية والاختيارات

ليست الهوية شيئًا يُمنح للإنسان مرة واحدة ثم يبقى كما هو، بل هي أيضًا نتيجة لاختياراته اليومية.

فالقرارات الصغيرة التي يتخذها الإنسان، والكلمات التي يقولها، والمواقف التي يثبت فيها أو يتراجع عنها، كلها تترك أثرًا في تكوين شخصيته.

إن الفضائل لا تظهر فجأة، بل تُبنى بالتكرار، وكذلك العادات، والأخلاق، وحتى طريقة التفكير.

ولهذا، فإن السؤال: "من أنا؟" لا ينفصل عن سؤال آخر أكثر عملية: "ماذا أفعل كل يوم؟"

فالإنسان لا يُعرَّف فقط بما يؤمن به، بل بما يمارسه باستمرار.

ومن هنا، فإن الهوية ليست وصفًا ثابتًا، وإنما قصة يكتب الإنسان فصولها بنفسه، سطرًا بعد سطر، واختيارًا بعد اختيار.

المجتمع... هل يصنع هويتنا؟

لا يعيش الإنسان في فراغ، بل يولد داخل أسرة، وينشأ في مجتمع، ويتأثر بلغة، وثقافة، ودين، وعادات، وتجارب مشتركة.

ولهذا، فإن الهوية الشخصية لا تتكون بمعزل عن الآخرين.

فاللغة التي نفكر بها لم نخترها عند الولادة، وكثير من القيم الأولى تعلمناها من الأسرة، كما أن المدرسة، والأصدقاء، والكتب، والسفر، والعمل، كلها تترك بصمتها على شخصياتنا.

لكن التأثر بالمجتمع لا يعني الذوبان فيه.

فالإنسان الناضج لا يرفض كل ما ورثه لمجرد أنه موروث، ولا يقبله كله لمجرد أنه شائع، بل يراجع، ويفكر، ويختار.

وهنا تلتقي الحرية بالهوية.

فالهوية الحقيقية لا تقوم على التقليد الأعمى، ولا على التمرد من أجل التمرد، وإنما على القدرة على بناء شخصية مستقلة، تحترم جذورها، لكنها لا تتوقف عن النمو.

ولهذا، فإن الإنسان لا يكتشف هويته دفعة واحدة، بل يقترب منها شيئًا فشيئًا، كلما ازداد معرفة بنفسه، وصدقًا مع ضميره، ووعيًا بالعالم من حوله.




                          تــليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة