المسلَّمة الأولى: هل تعرف نفسك حقًا ..؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:





هل يعرف الإنسان نفسه حقًا؟

لا يوجد يقينٌ أكثر رسوخًا في حياة الإنسان من هذا اليقين الخفي:

أنا أعرف نفسي.

إنه لا يقوله بصوتٍ مرتفع، لكنه يبني عليه معظم قراراته.

يختار عمله لأنه يظن أنه يعرف ما يناسبه.

ويختار شريك حياته لأنه يظن أنه يعرف ما يحتاج إليه.

ويثق ببعض الناس، ويتجنب آخرين، لأنه يعتقد أنه يفهم نفسه قبل أن يفهمهم.

ولكن...

متى كانت آخر مرة جلس فيها الإنسان مع نفسه، لا ليحدثها، بل ليسألها؟

إننا نعيش أعمارًا كاملة داخل عقولنا، ومع ذلك قد نكون أقل الناس معرفةً بما يدور في أعماقها.

أليس غريبًا أن يفاجئ الإنسان نفسه بالغضب؟

وأن يكتشف بعد سنوات أنه كان يحب شخصًا لم يعترف بحبه؟

أو أن يعيش عمرًا وهو يظن أن طموحه المال، ثم يدرك متأخرًا أن ما كان يبحث عنه هو التقدير؟

إذا كنا نعرف أنفسنا حقًا...

فلماذا نفاجأ بها؟

ولماذا يقول الإنسان، بعد موقفٍ لم يكن يتوقعه من نفسه:

"لم أكن أعلم أنني سأفعل ذلك."

من الذي كان يجهله إذًا؟

هل كان يجهل الموقف؟

أم كان يجهل نفسه؟

وربما هنا تبدأ أول شقوق اليقين.

فلعل الإنسان لا يعرف نفسه كما يعرف اسمه.

بل يعرف الرواية التي كتبها عن نفسه.

وهناك فرقٌ بعيد.

فنحن لا نقدم أنفسنا للآخرين كما نحن.

بل كما نحب أن نكون.

ومع مرور السنوات، لا نكتفي بإقناع الآخرين بهذه الرواية...

بل نصدقها نحن أيضًا.

نقول:

أنا صبور.

أنا شجاع.

أنا صريح.

أنا وفيّ.

لكن الحياة لا تسألنا عن الصفات التي نصف بها أنفسنا.

إنها تضعنا في مواقف، ثم تكتب الجواب نيابةً عنا.

فقد يكتشف الجبان شجاعةً لم يكن يعلم بوجودها.

وقد يكتشف الشجاع خوفًا لم يعترف به يومًا.

وقد يظن الإنسان أنه لا يغفر، حتى يأتي يومٌ يغفر فيه ما كان يظنه مستحيلًا.

وهكذا...

لا تكشف الحياة أخلاقنا...

بل تكشف حدود معرفتنا بأنفسنا.

وربما لهذا السبب، لا تكون معرفة النفس محطةً يصل إليها الإنسان.

بل رحلةً لا تنتهي.

فكل تجربةٍ لا تضيف إلى العالم شيئًا جديدًا فحسب...

بل تضيف إلى الإنسان نسخةً جديدةً من نفسه.

وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجًا من ذي قبل.

إذا كنتُ أكتشف نفسي مع كل تجربة...

فمن هي نفسي التي كنت أزعم أنني أعرفها منذ البداية؟

لعل أخطر ما في الإنسان أنه لا يكذب على غيره أولًا...

بل يروي لنفسه قصةً مريحة، ثم يعيش داخلها سنواتٍ طويلة، حتى تأتي الحياة، لا لتكذبه، بل لتقول له بهدوء:


لقد كنت تعرف عن نفسك أقل مما كنت تظن.



                                    تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة