المسلَّمة الثانية: هل تتغير كإنسان... أم تنكشف؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
المسلَّمة الثانية: هل يتغيَّر الإنسان... أم ينكشف؟
من أكثر الجمل تداولًا بين الناس قولهم:
"لقد تغيَّر."
نسمعها حتى نظن أنها حقيقةٌ لا تحتاج إلى برهان.
لكن...
هل تغيَّر فعلًا؟
أم أننا لم نره كما كان؟
تأمل هذا السؤال طويلًا.
حين يصبح الفقير غنيًا، فيراه الناس متكبرًا، يقولون:
"المال غيَّره."
ولكن...
من أين جاء ذلك التكبر؟
هل خلقه المال في لحظة؟
أم أن المال رفع الغطاء عن شيءٍ كان ساكنًا في أعماقه؟
وحين يقع الهادئ تحت ضغطٍ شديد، فيصرخ لأول مرة، يقول الناس:
"لم أكن أعرف أنه عصبي."
فهل صار عصبيًا في تلك اللحظة؟
أم أن الظروف كشفت جانبًا لم تكن الحياة قد احتاجت إلى إظهاره؟
إننا ننسب إلى الزمن قدرةً عجيبة على تغيير الإنسان.
لكن الزمن، في حقيقته، لا يضيف شيئًا من عنده.
إنه يغيّر الظروف.
والظروف هي التي تستدعي من الإنسان وجوهًا لم يكن مضطرًا لإظهارها من قبل.
فالإنسان الذي لم يُجرَّب في السلطة، لا يعرف ماذا ستفعل به السلطة.
والإنسان الذي لم يُجرَّب في الفقد، لا يعرف كيف سيحمل الحزن.
والإنسان الذي لم يُجرَّب في الغنى، لا يعرف ماذا سيفعل به المال.
نحن لا نعرف أنفسنا في الفراغ.
بل نعرفها عندما تدعونا الحياة إلى مواقف لم نُدعَ إليها من قبل.
ومن هنا، ربما أخطأنا حين قلنا:
"الإنسان يتغيَّر."
لأن في هذه الجملة افتراضًا خفيًا، وهو أن شخصيته ثابتة، ثم جاءت الأيام فبدلتها.
لكن ماذا لو كانت الشخصية ليست حجرًا...
بل أرضًا واسعة، لا يظهر منها في كل مرحلة إلا الجزء الذي تمشي عليه الحياة؟
ربما لا يخلق الشتاء الأشجار.
إنه يكشف أيها يستطيع الصمود.
ولا تخلق العاصفة جذور النبات.
إنها تُظهر عمقها.
وكذلك الإنسان.
قد لا تصنعه المحن.
بل تُظهر ما كان كامنًا فيه، وما لم يكن هو نفسه يعلمه عن نفسه.
غير أن في الأمر مفارقةً أخرى.
إذا كانت الظروف تكشفنا...
فإن ما تكشفه يعود فيغيّرنا.
فالذي يكتشف ضعفه، قد يصبح أقوى.
والذي يكتشف قسوته، قد يتعلم الرحمة.
والذي يرى نفسه لأول مرة بصدق، لا يبقى كما كان.
وهنا، يلتقي الانكشاف بالتغيّر.
فالحياة لا تغيّر الإنسان من العدم.
ولا تكشفه كما هو فقط.
بل تكشفه أولًا...
ثم تمنحه فرصة أن يختار: هل يبقى كما انكشف، أم يعيد بناء نفسه؟
وربما لهذا، لا تكون أعظم لحظةٍ في حياة الإنسان هي أن يعرف العالم...
بل أن يرى نفسه، لأول مرة، دون أن يهرب منها.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق