المسلَّمة الثالثة: هل يتذكر الإنسان الماضي... أم يتذكر آخر روايةٍ كتبها عنه؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
المسلَّمة الثالثة: هل يتذكر الإنسان الماضي... أم يتذكر آخر روايةٍ كتبها عنه؟
من أغرب ما يفعله الإنسان أنه يثق بذاكرته أكثر مما يثق بعينيه.
فإذا سألت رجلًا عن حادثةٍ وقعت قبل عشرين عامًا، أجابك بثقةٍ لا تتزعزع، كأنه عاد من الأمس لا من عقدين كاملين.
ولكن...
هل الذي يتذكره هو الماضي حقًا؟
أم أنه يتذكر آخر نسخةٍ من الماضي احتفظ بها في ذهنه؟
هذا السؤال يبدو غريبًا.
لكنه يهز واحدةً من أكثر المسلَّمات رسوخًا في النفس.
نحن نظن أن الذاكرة صندوق.
نضع فيه الأحداث، ثم نعود إليها كما تركناها.
لكن هل تفعل الذاكرة ذلك فعلًا؟
لو اجتمع ثلاثة إخوة شهدوا الحادثة نفسها، ثم طلبت من كل واحدٍ أن يرويها بعد سنوات، فستسمع ثلاث قصص.
وقد يقسم كل واحدٍ منهم أنه يروي الحقيقة كاملة.
فمن الذي أخطأ؟
وربما لا يكون أحدٌ منهم قد أخطأ.
وربما لم يحتفظ أحدٌ منهم بالماضي كما كان.
إن الإنسان لا يحمل الماضي في ذاكرته كما تحمل المكتبة كتبها.
بل يحمله كما تحمل الشجرة آثار الفصول التي مرَّت بها.
كل ربيعٍ يترك أثرًا.
وكل شتاءٍ يعيد تشكيل ما سبقه.
ولهذا، فإن الذكرى لا تبقى ثابتة.
بل تتبدل كلما تبدل صاحبها.
فالطفل يتذكر أباه بطريقة.
والرجل الذي صار أبًا يتذكر الأب نفسه بطريقةٍ أخرى.
والشيخ يعود إلى الذكرى ذاتها، فيقرأ فيها ما لم يكن يراه وهو شاب.
فهل تغيَّر الماضي؟
كلا.
الذي تغيَّر هو القارئ.
ولأن القارئ تغيَّر...
تغيَّرت القراءة.
وربما لهذا، لا يؤلمنا الماضي دائمًا بسبب ما حدث فيه.
بل بسبب الطريقة التي نعيد بها روايته لأنفسنا.
قد يعيش إنسانان التجربة نفسها.
أحدهما يجعلها جرحًا لا يندمل.
والآخر يجعلها درسًا لا يُنسى.
الحدث واحد.
لكن الرواية مختلفة.
ومن هنا، قد لا تكون الذاكرة أمينة كما نظن.
ليست لأنها تكذب.
بل لأنها تعيد ترتيب الأحداث كلما تغيَّر معنى الحياة في أعيننا.
إنها لا تحفظ الماضي...
بل تفاوضه.
تحذف منه ما لم يعد يخدم صورتنا عن أنفسنا.
وتُبرز ما ينسجم مع القصة التي نعيشها الآن.
ولهذا، فإن الإنسان لا يعيش أسير الماضي وحده.
بل أسير الرواية التي اختارها للماضي.
وهنا، يبرز سؤالٌ أكثر خطورة.
إذا كانت ذاكرتي تعيد صياغة الأمس كلما تغيَّرتُ أنا...
فكم جزءًا من شخصيتي بُني على قصةٍ لم تقع كما أتذكرها؟
وربما لهذا، لا تكون الحرية أن ننسى الماضي.
بل أن نملك الشجاعة لإعادة قراءته، دون أن نجعله سجنًا، ودون أن نحوله إلى أسطورة.
فلعل الماضي لا يطالبنا بأن نبقى أوفياء له...
بل أن نكون أوفياء للحقيقة، حتى وإن غيّرت الصورة التي اعتدنا أن نرى بها أنفسنا.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق