المسلَّمة الرابعة: هل تختار قراراتك... أم تختارها بعد أن تتخذها؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:





المسلَّمة الرابعة: هل يختار الإنسان قراراته... أم يختارها بعد أن يتخذها؟

ليس في حياة الإنسان شيءٌ يبدو أكثر وضوحًا من القرار.

يقول:

"لقد قررت."

وينطقها كما لو أنه وقف على مفترق طريقين، ثم تأمل طويلًا، ثم اختار أحدهما بكامل حريته.

ولكن...

هل يحدث الأمر بهذه الصورة حقًا؟

أم أن هذه ليست إلا الرواية التي يرويها العقل بعد انتهاء القصة؟

تأمل نفسك في المواقف الكبرى.

كم مرة قلت:

"لا أدري لماذا وافقت."

أو:

"لا أعرف لماذا رفضت."

وكأن القرار سبق تفسيره.

بل إن الإنسان كثيرًا ما يبحث عن الأسباب بعد أن يكون قد مال إلى أحد الخيارين.

فيجمع الأدلة التي تؤيده.

ويستبعد الأدلة التي تزعجه.

ثم يعلن، في النهاية، أنه اختار بعقلانية.

وربما لم يكن العقل إلا محاميًا بارعًا...

دافع عن قرارٍ لم يصنعه.

إن في داخل الإنسان ميلًا عجيبًا إلى الاعتقاد بأنه سيد قراراته.

ولعل هذا الاعتقاد ضروري ليستطيع أن يعيش.

لكن الضروري ليس دائمًا مطابقًا للحقيقة.

إن الإنسان يولد في أسرةٍ لم يخترها.

ويتكلم لغةً لم يخترها.

ويتشرب عاداتٍ لم يخترها.

ويحب أطعمةً اعتادها قبل أن يعرف لماذا أحبها.

ثم يكبر، ويظن أن كل ما بعد ذلك كان من صنع إرادته وحدها.

وهنا يبرز سؤالٌ صامت.

كم قرارًا اتخذته لأنه قرارك...

وكم قرارًا اتخذته لأن تاريخك كان يدفعك إليه دون أن تشعر؟

إننا لا نبدأ الحياة من نقطة الصفر.

بل من شبكةٍ معقدة من التجارب، والمخاوف، والذكريات، والآمال، والانتماءات.

وحين نقول: "أنا اخترت."

فربما يكون الأصدق أن نقول:

"أنا اخترت... ومعي كل ما صنعني قبل هذه اللحظة."

غير أن هذا لا يعني أن الإنسان آلة.

ولا يعني أن الحرية وهم.

بل يعني أن الحرية ليست لحظة القرار وحدها.

إنها تبدأ قبل القرار بسنوات.

تبدأ عندما يراجع الإنسان نفسه.

ويختبر أفكاره.

ويواجه تحيزاته.

ويعترف بأن بعض ما يسميه "قناعاته"، ليس إلا ميراثًا لم يختبره.

هناك فقط...

يصبح القرار أقل خضوعًا للماضي، وأكثر انفتاحًا على الوعي.

ولعل الحرية الحقيقية لا تكمن في أن تختار بين طريقين...

بل في أن تعرف من الذي يختار داخلك.

أهو الخوف؟

أم العادة؟

أم الكبرياء؟

أم الرغبة؟

أم الضمير؟

فإن عرفت ذلك...

ربما كانت تلك أول مرةٍ تتخذ فيها قرارًا بوعيٍ كامل.

وربما لهذا، لا تكون أصعب أسئلة الحياة:

"ماذا سأختار؟"

بل:

"من الذي يختار في داخلي؟"





                                 تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة