المسلَّمة الخامسة: هل تكذب على نفسك... أم أن نفسك تحميك من الحقيقة؟
إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:
المسلَّمة الخامسة: هل يكذب الإنسان على نفسه.؟ أم أن نفسه تحميه من الحقيقة؟
ما من أحدٍ يحب أن يُوصف بالكذب.
فالإنسان قد يعترف بالضعف، أو بالجهل، أو بالتقصير، لكنه يستثقل أن يُقال له: إنك تكذب.
غير أن هناك نوعًا من الكذب لا يبدأ باللسان.
بل يبدأ في مكانٍ أعمق.
في تلك المنطقة التي يلتقي فيها الخوف بالأمل.
حيث لا يعود الإنسان يبحث عن الحقيقة...
بل عن القدرة على احتمالها.
كم من أبٍ أقنع نفسه أن ابنه بخير، مع أن العلامات كلها كانت تقول غير ذلك.
وكم من عاشقٍ رأى البرود، ثم سمَّاه انشغالًا.
وكم من موظفٍ كان يعلم أن النهاية تقترب، لكنه ظل يؤجل الاعتراف بها حتى سبقته الأيام.
هل كانوا يكذبون؟
أم كانوا يؤجلون الحقيقة لأن النفس لم تكن مستعدة لاستقبالها؟
إن الإنسان لا يرفض الحقيقة دائمًا لأنها خاطئة.
بل قد يرفضها لأنها تأتي قبل أوانها.
ولذلك، فإن النفس تملك قدرةً غريبة على تخفيف وقع الواقع.
إنها لا تمحو الحقيقة.
بل تؤخرها.
وتغلفها بالأمل.
وتمنح الإنسان وقتًا يتهيأ فيه لمواجهتها.
وربما لهذا، فإن بعض الأوهام ليست عيوبًا.
بل ضمادات.
يبقيها الإنسان على جراحه حتى يكتمل التئامها.
غير أن الضماد الذي لا يُنزع في وقته...
قد يتحول إلى مرض.
وهنا يكمن الخطر.
فالذي بدأ حمايةً للنفس، قد ينتهي حجابًا بينها وبين الواقع.
ومن هنا، لا يعود السؤال:
لماذا يخدع الإنسان نفسه؟
بل يصبح السؤال:
متى تتحول الحماية إلى سجن؟
إن أكثر السجون إحكامًا ليست تلك التي تُبنى بالحجارة.
بل تلك التي تُبنى بالتبريرات.
كل تبريرٍ صغير يؤجل مواجهة الحقيقة.
وكل تأجيلٍ يضيف حجرًا جديدًا إلى الجدار.
حتى يأتي يومٌ يكتشف فيه الإنسان أنه لم يعد محبوسًا في ظروفه...
بل في الرواية التي كتبها عنها.
ولعل أشجع لحظةٍ في حياة الإنسان ليست حين ينتصر على خصمه.
ولا حين يحقق حلمه.
بل حين يملك الشجاعة لأن يقول لنفسه:
لقد كنت أرى ما أريد أن أراه... لا ما كان موجودًا حقًا.
تلك ليست هزيمة.
بل ولادة.
فالحقيقة لا تهدم الإنسان.
إنها تهدم الصورة التي كان يختبئ خلفها.
وبعد انهيار الصورة...
قد يبدأ، للمرة الأولى، في رؤية نفسه كما هي.
تليد..
تعليقات
إرسال تعليق