لماذا تبحث عن الخلود .. وأنت يقينًا ستموت ..؟

إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:







لماذا تبحث عن الخلود... وأنت تعلم يقينًا أنك ستموت؟

منذ أن فتح الإنسان عينيه على هذا العالم، وهو يعلم حقيقةً لا يستطيع الهروب منها.

حقيقةٌ لا تحتاج إلى برهان، ولا يختلف عليها اثنان.

أنه سيموت.

ومع ذلك...

لم يعش الإنسان يومًا كما لو أنه كائنٌ خُلِق للنهاية.

بل عاش كما لو أن في داخله شيئًا يرفض أن يذوب في النسيان.

وهنا يبدأ السؤال الذي حيَّر الفلاسفة، وأشغل الشعراء، وأوقد فضول العلماء:

إذا كان الإنسان يعلم يقينًا أن الموت نهاية حياته على هذه الأرض، فلماذا يقضي عمره كله في البحث عن شكلٍ من أشكال الخلود؟

إنك لن تجد حضارةً إلا وقد تركت أثرًا على الحجر، أو في الكتاب، أو في الذاكرة.

ولن تجد أمةً إلا وقد حفظت أسماء عظمائها، وروت قصصهم، وأقامت لهم النصب، وخلدت أعمالهم.

ولم يكن ذلك لأن أحدًا منهم ظن أنه سيعيش إلى الأبد.

بل لأن في الإنسان نزعةً أعمق من مجرد حب البقاء.

إنها الرغبة في ألا يكون وجوده عابرًا.

تأمل الإنسان حين يكتب كتابًا.

إنه يعلم أن الزمن قد يطوي حياته قبل أن يطوي صفحات كتابه.

وتأمله وهو يغرس شجرة.

قد يدرك أن غيره هو من سيجلس في ظلها، وسيأكل من ثمرها.

وتأمله وهو يبني مدرسةً، أو مستشفى، أو جسرًا.

إنه يعمل لوجوهٍ لم يرها، وربما لن يراها أبدًا.

فأي قوةٍ هذه التي تدفع الإنسان إلى أن يهدي المستقبل جزءًا من عمره؟

لعلها ليست رغبةً في الخلود كما نظن.

بل رغبةٌ في أن يبقى للحياة شاهدٌ على أنه مرَّ من هنا.

إن الإنسان لا يريد دائمًا أن يعيش بلا نهاية.

لكنه يريد ألا تنتهي قصته عند آخر نَفَس.

ولهذا، يكتب.

ويعلِّم.

ويكتشف.

ويبتكر.

ويزرع.

ويُربي.

ويؤلف.

ويُصلح.

إنه ينسج خيوطًا تمتد إلى زمنٍ يعلم أنه لن يكون حاضرًا فيه.

وهنا تتجلى مفارقةٌ عجيبة.

فالإنسان هو الكائن الوحيد – بقدر ما نعرف – الذي يحمل في وعيه يقين فنائه، ثم يبني مشروعاتٍ تتجاوز حدود عمره.

كأنه يقول للزمن في صمت:

"قد تأخذ جسدي... لكنك لن تأخذ كل ما صنعت."

غير أن الخلود الذي يبحث عنه البشر ليس صورةً واحدة.

فمنهم من يطلب خلود الاسم.

ومنهم من يطلب خلود الفكرة.

ومنهم من يرى الخلود في أثرٍ صالح يبقى بعده.

ومنهم من يؤمن – بحسب معتقده – بأن الحياة لا تنتهي بالموت، وأن الخلود الحقيقي يبدأ من هناك.

وهكذا تتعدد صور الخلود، لكن الدافع الإنساني إلى تجاوز حدود العمر يبقى حاضرًا بأشكال مختلفة.

وربما لهذا، فإن أكثر ما يخشاه الإنسان ليس الموت نفسه.

فالذين واجهوا الموت بشجاعةٍ عبر التاريخ كثيرون.

أما الذي يخشاه في أعماقه، فهو أن يمرَّ في هذا العالم دون أن يترك أثرًا، أو أن ينطفئ ذكره كأن وجوده لم يكن إلا ومضةً عابرة.

إن النسيان، في نظر كثيرين، موتٌ آخر.

بل ربما كان أشد قسوةً من الموت الجسدي.

ولهذا، لا يتعب الإنسان في جمع المال وحده.

بل يتعب في جمع الذكريات، وصناعة العلاقات، وبناء الإنجازات، وترك الكلمات التي يظن أنها ستجد قارئًا بعد رحيله.

إنه، من حيث يشعر أو لا يشعر، يفاوض الزمن.

لا ليمنعه من المضي.

فذلك مستحيل.

بل ليقنعه أن يحمل معه شيئًا منه.

ومع ذلك، فإن في هذه الرحلة مفارقةً تستحق التأمل.

فكم من إنسانٍ عاش عمره كله يطارد اسمًا خالدًا، ثم نسي أن يعيش أيامه.

وكم من آخر لم يسعَ إلى تخليد نفسه، فإذا بأثره يبقى في قلوب الناس أكثر من أصحاب الضجيج.

ولعل الخلود لا يُنال بالسعي إليه مباشرة.

بل يُولد حين ينشغل الإنسان بما ينفع، لا بما يخلده.

فالطبيب الذي يخفف ألمًا، والمعلم الذي يوقظ عقلًا، والأب الذي يربي ابنًا على الفضيلة، والكاتب الذي يزرع فكرةً صادقة... قد يتركون أثرًا أبقى من كل من سعى إلى الشهرة وحدها.

وهنا يتغير السؤال.

فلا يعود:

لماذا تبحث عن الخلود وأنت ستموت؟

بل يصبح:

ما الذي يستحق أن يبقى منك بعد أن تموت؟

ذلك أن العمر ليس ما تقيسه السنوات.

بل ما تتركه السنوات وراءها.

وقد يكون الإنسان قصير العمر، لكنه طويل الأثر.

وقد يعيش قرنًا كاملًا، ثم يرحل دون أن يغيّر في حياة أحد شيئًا.

ولعل أعظم ما يستطيع الإنسان أن يخلده ليس اسمه...

بل الخير الذي يمر عبر اسمه إلى غيره.

فالأسماء قد تُنسى.

أما الأثر الصادق، فإنه يجد دائمًا طريقًا إلى قلب إنسان، أو عقل باحث، أو حياة طفل، أو دعوة صادقة، حتى وإن غاب صاحبها تحت تراب السنين.

وربما هنا تكمن الحكمة.

لسنا خالدين بأجسادنا.

ولم نُخلق لنهزم الزمن.

لكننا نملك قدرةً نادرة...

أن نجعل مرورنا في هذه الحياة أكثر من مجرد عبور.

وأن نترك خلفنا ما يجعل العالم، ولو بقدرٍ يسير، أفضل مما كان قبل أن نأتي إليه.


قال تعالى:

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255].









                                      تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة