هل الخلود غاية في ذاتك .. أم وسيلة لتشعرك أن حياتك لم تكُن عبئًا ..؟

 إنه بسمم الله الرحمن الرحيم وبعد:





هل الخلود غايةٌ في ذاته... أم أنه وسيلةٌ ليشعر الإنسان أن حياته لم تكن عبثًا؟

كلما تأمل الإنسان فكرة الخلود، ظنَّ أن سؤاله يدور حول الموت.

لكن ربما كان السؤال الحقيقي يدور حول الحياة.

فالإنسان لا يسأل: كيف لا أموت؟

بقدر ما يسأل، في أعماقه: هل كان لوجودي معنى؟

وهنا تبدأ الحكاية.

منذ فجر التاريخ، شُيِّدت الأهرامات، ونُحتت التماثيل، ودُوِّنت الكتب، وسُطِّرت الملاحم، وأُقيمت المكتبات، وشُيِّدت المدارس، وغُرست الأشجار التي لن يجلس غارسوها في ظلالها.

وقد يبدو لأول وهلة أن كل ذلك كان محاولةً لمقاومة الفناء.

لكن، هل كان الأمر كذلك حقًّا؟

أم أن الإنسان لم يكن يطارد الخلود بقدر ما كان يطارد الطمأنينة؟

طمأنينة أن حياته لم تكن ومضةً عابرة في ليل الزمن.

إن الإنسان هو الكائن الوحيد – فيما نعرف – الذي يحمل في وعيه يقينًا لا يفارقه.

إنه يعلم أنه سيموت.

ويعلم أن كل ما يملكه سيتركه.

وأن جسده سيعود إلى التراب.

ومع ذلك، يواصل البناء كأن المستقبل وعدٌ ينتظره.

ويواصل التعليم كأن أفكاره ستسافر بعده.

ويواصل الكتابة كأن قارئًا مجهولًا سيصافحه بعد عشرات السنين.

أليس في هذا ما يدعو إلى الدهشة؟

لو كان الخلود غايةً في ذاته، لكان الإنسان يبحث عن جسدٍ لا يشيخ.

لكن التاريخ يخبرنا بشيءٍ آخر.

إن أكثر الناس أثرًا لم يكونوا دائمًا أكثرهم حرصًا على تخليد أسمائهم.

بل كانوا أكثرهم انشغالًا بفكرةٍ، أو علمٍ، أو رسالةٍ، أو خيرٍ يتجاوز ذواتهم.

وكأن الخلود، حين يُطلب لذاته، يبتعد.

وحين يُنسى في سبيل غايةٍ أسمى، يقترب من صاحبه دون أن يشعر.

ولعل هذا يكشف لنا فرقًا خفيًّا بين نوعين من البقاء.

بقاءٌ يطلبه الإنسان لنفسه.

وبقاءٌ يولد من عمله.

الأول قد يكون رغبةً في ألا يُنسى.

أما الثاني، فهو نتيجةٌ طبيعية لحياةٍ كان لها أثر.

ولهذا، بقيت أسماءٌ كثيرة في التاريخ، لا لأنها طلبت المجد، بل لأنها طلبت الحقيقة، أو العدالة، أو العلم، أو الرحمة.

إن الزمن لا يحتفظ بمن أراد أن يكون مشهورًا فقط.

بل يحتفظ، في الغالب، بمن غيَّر شيئًا في حياة الناس.

وهنا يبرز سؤالٌ آخر.

ماذا لو مُنح الإنسان خلودًا كاملًا، لكنه عاش حياةً بلا معنى؟

هل سيكون خالدًا سعيدًا؟

أم أسيرًا لأبديةٍ فارغة؟

إن الحياة لا تستمد قيمتها من طولها وحده.

فقد يطول العمر، ويقصر الأثر.

وقد يقصر العمر، وتمتد آثاره عبر القرون.

ولذلك، لا يبدو أن الإنسان يبحث عن السنوات بقدر ما يبحث عن القيمة.

إنه يريد أن يشعر أن وجوده أحدث فرقًا.

ولو في قلب إنسانٍ واحد.

ولو بكلمةٍ صادقة.

ولو بفكرةٍ أنارت عقلًا.

ولو بعملٍ صالحٍ لم يعرف صاحبه من انتفع به.

وربما لهذا، فإن الخلود ليس حاجةً مستقلة عن المعنى.

بل هو ظلٌّ له.

فإذا امتلأت الحياة بالمعنى، لم يعد الخلود هو السؤال الأول.

أما إذا فرغت الحياة من غايتها، أصبح الخلود محاولةً لتعويض ذلك الفراغ.

إن الإنسان لا يخاف النهاية وحدها.

بل يخاف أن ينتهي قبل أن يجد سببًا يُبرِّر رحلته.

ولهذا، يظل يبحث عن شيءٍ يبقى.

لا لأنه يرفض قانون الموت.

بل لأنه يرفض أن يكون قد عاش بلا أثر.

ومن هنا، يتغير السؤال كله.

فبدل أن نسأل:

هل سيبقى الإنسان بعد موته؟

لعل الأجدر أن نسأل:

ماذا سيبقى من الإنسان بعد موته؟

فالفرق بين السؤالين هو الفرق بين من ينشغل بعمره...

ومن ينشغل بقيمته.

وربما كانت الحكمة كلها تختبئ في هذه المسافة.

فالخلود، في صورته الأعمق، ليس أن يطول بك الزمن.

بل أن يطول أثر الخير، أو العلم، أو الرحمة، أو الصدق الذي خرج منك إلى العالم.

وحينئذٍ، لا يعود الإنسان يطارد الخلود...

بل يصبح الخلود أثرًا جانبيًا لحياةٍ عاشت بصدق.

ولعل أعظم انتصارٍ على الفناء، ليس أن يُكتب اسمك في صفحات التاريخ.

بل أن يكتب وجودك سطرًا جميلًا في حياة إنسان، ثم يمضي في صمت.

فالتاريخ قد ينسى الأسماء...

أما الخير، إذا صدق، فإنه يجد دائمًا طريقًا إلى المستقبل، ولو لم يعرف المستقبل من أين بدأ.




﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [ سورةالرحمن:آيه 26-27]





                                      تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة