لمن كنت تعيش فعلًا ..؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:




لمن كنت تعيش فعلًا؟

ليس أصعب سؤالٍ يواجه الإنسان أن يُسأل عن عمره.

ولا عن ماله.

ولا عن إنجازاته.

بل أن يقف يومًا أمام نفسه، ويسألها في صمت:

لمن كنت أعيش فعلًا؟

سؤالٌ يبدو بسيطًا.

لكنه إذا نزل إلى الأعماق، بعثر يقينًا بُني في سنوات.

فالإنسان يظن أنه يعرف جوابه.

يقول:

عشت لأجل أسرتي.

أو لأجل مستقبلي.

أو لأجل أحلامي.

أو لأجل الناس.

لكن...

هل كانت تلك هي الحقيقة؟

أم كانت العناوين التي أخفت حقيقةً أكثر تعقيدًا؟

كم من إنسانٍ ظن أنه يعمل من أجل الراحة...

وكان يعمل خوفًا من الفقر.

وكم من آخر ظن أنه يطلب النجاح...

وكان يطلب الاعتراف.

وكم من ثالثٍ قال إنه يريد الشهرة...

ولم يكن يريد إلا أن يشعر بأنه مرئي، وأن وجوده لم يمر دون أن يلتفت إليه أحد.

إن أفعال الإنسان قد تكون واضحة.

أما دوافعه...

فهي الغابة التي لا يدخلها إلا قليلون.

ولعل أعجب ما في النفس البشرية أنها تستطيع أن تخفي دوافعها عن صاحبها.

فيقضي عمره يدافع عن أهدافٍ لم يخترها بنفسه.

ويحارب من أجل صورٍ رسمها له المجتمع.

ويطارد أحلامًا ورثها دون أن يسأل يومًا:

هل هذه أحلامي أنا؟

إن الطفل لا يولد وهو يحلم بمنصب.

ولا بسيارة.

ولا بلقب.

إنه يتعلم، مع الزمن، ما الذي يستحق الإعجاب في نظر الناس.

ثم يبدأ، شيئًا فشيئًا، في مطاردة ذلك الإعجاب.

حتى إذا بلغ ما كان يسعى إليه، شعر بفراغٍ لا يعرف له تفسيرًا.

لأنه وصل إلى الغاية...

واكتشف أنها لم تكن غايته.

وربما لهذا، فإن أكثر المراجعات إيلامًا لا تكون حين يخسر الإنسان شيئًا.

بل حين يربح كل ما كان يريده...

ثم يسأل نفسه:

ولمن فعلت كل هذا؟

إذا كان كل قرارٍ اتخذته كان لتنال تصفيق الآخرين...

فهل كنت تعيش حياتك...

أم كنت تؤدي دورًا على مسرحهم؟

وإذا كان خوفك من الفشل أكبر من حبك لما تفعل...

فهل كان الطريق اختيارك...

أم كان هروبك؟

إن السؤال لا يتهم الإنسان.

بل يحرره.

لأن لحظة الصدق الأولى قد تكون بداية الحياة الأولى.

ليس مطلوبًا أن يعيش الإنسان لنفسه وحدها.

ولا أن يعيش لغيره وحده.

بل أن يعرف، بصدق، من يقود خطواته.

فالحياة التي تُعاش بوعي، قد تكون أقل ضجيجًا...

لكنها أكثر امتلاءً.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الذي سيبقى مع الإنسان:

كم سنةً عشت؟

ولا:

كم مالًا جمعت؟

ولا:

كم شخصًا عرف اسمك؟

بل سؤالٌ واحد:


حين كنت تظن أنك تعيش...

لمن كنت تعيش فعلًا؟





                                تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة