أختر من يحبك أو اختر من تُحبه ..؟

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:




اختر من يحبك... ولا تتعجل في اختيار من تحب

ليست جميع العبارات التي تتناقلها الألسنة حكمة، غير أن بعضها يحمل من التجربة ما يستحق أن نتوقف عنده طويلًا. ومن أكثرها إثارةً للتأمل قولهم:

"اختر من يحبك، ولا تختر من تحبه."

وللوهلة الأولى تبدو العبارة قاسيةً على القلب؛ إذ كيف يُطلب من الإنسان أن يُعرض عمن تعلقت به روحه، وأن يميل إلى من سبقه حبًّا؟ أليس الحب اختيارًا حرًّا؟ أليس القلب سيد نفسه؟

غير أن الحياة، كلما تقدمت بنا، كشفت أن القلب وحده لا يصلح أن يكون قبطان السفينة.

إن الحب، في بداياته، يُشبه المطر الأول؛ يهبط بغتةً، ويملأ الأرض رائحةً ودهشةً، حتى يخيَّل إلى الإنسان أن العالم كله قد خُلق من أجل تلك اللحظة. لكنه، إن لم يجد أرضًا تحتضنه، تحول إلى سيلٍ يجرف صاحبه بدل أن يرويه.

ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: من تحب؟ بل: من يستطيع أن يحمل هذا الحب معك حين تثقل الأيام؟

فكم من إنسانٍ أحب بكل ما أوتي من صدق، لكنه أحب قلبًا لم يكن مستعدًا للمحبة، فصار كمن يسكب الماء في إناءٍ مثقوب، كلما ملأه فرغ، وكلما اقترب ابتعد، حتى استنزفته المحاولة، لا لقلة إخلاصه، بل لأن العاطفة لا تنمو في أرضٍ لا تقبلها.

ومن هنا، جاءت حكمة القدماء، لا لتأمر القلب، بل لتحذره. فالإنسان الذي يحبك يمنحك شيئًا لا يُشترى: الطمأنينة. والطمأنينة ليست أقل شأنًا من الحب، بل لعلها صورته الناضجة. فمن يحبك حقًّا لا يجعلك في خصومةٍ دائمة مع الشك، ولا يتركك تتسول الاهتمام، ولا يحول العلاقة إلى امتحانٍ يومي لإثبات قيمتك.

لكن هل يعني هذا أن نرفض من نحب؟

كلا.

فليس في الحكمة دعوةٌ إلى إعدام العاطفة، وإنما إلى تهذيبها. فالحب الذي لا يجد صدىً في الطرف الآخر قد يكون تجربةً إنسانيةً صادقة، لكنه لا يكفي وحده لبناء حياةٍ كاملة. إن السفينة لا تسير بمجدافٍ واحد، مهما بلغت قوة صاحبه.

لقد أخطأ كثير من الناس حين جعلوا الحب شعورًا فقط، مع أن الحب، بعد انطفاء وهج البدايات، يتحول إلى مسؤولية، وإلى وفاء، وإلى قدرةٍ يومية على الاحتمال. وحين يغيب ذلك كله، يبقى الاسم حبًّا، بينما يرحل جوهره.

ولعل الإنسان لا يحتاج في حياته إلى من يُدهشه بقدر ما يحتاج إلى من يُطمئنه. فالدهشة تملأ لحظة، أما الطمأنينة فتبني عمرًا. وما أكثر الذين أبهرهم البريق، ثم عادوا يبحثون عن دفءٍ كان أقرب إليهم من نبضهم، لكنهم لم يعرفوا قيمته إلا بعد أن مضى.

ومع ذلك، فإن العبارة لا ينبغي أن تُؤخذ على إطلاقها؛ فليس كل من يحبك يصلح لك، وليس كل من أحببته محكومًا أن يخذلك. فالعلاقات الإنسانية أعقد من أن تُختصر في قاعدةٍ واحدة، والقلوب لا تُدار بقوانين جامدة.

وربما كانت الحكمة الأقرب إلى الصواب هي:

اختر الإنسان الذي إذا أحببته أحبك، وإذا أخطأت سامحك، وإذا ضعفت أسندك، وإذا نجحت فرح لك، وإذا اختلف معك لم يُسقط عنك كرامتك.

فذلك هو الحب الذي لا يعيش على وهج المشاعر وحدها، بل على نبل الأخلاق.

لقد علمتني الحياة أن القلب قد يُحسن الاختيار مرة، ويخطئ مرات، لكن العقل الناضج لا يجعل من الحب خصمًا للحكمة، ولا من الحكمة سجنًا للحب. وإنما يجمع بينهما، لأن الإنسان لا يحيا بقلبه وحده، ولا بعقله وحده، وإنما يكتمل حين يتصالح الاثنان.

وفي خاتمة الأمر، لا تسأل نفسك: من أحببت أكثر؟ بل اسأل: مع من أصبحتُ إنسانًا أفضل؟ فذلك السؤال هو الذي يكشف قيمة العلاقة، لا حرارة بدايتها، ولا ضجيج نهايتها.

فالحب الحقيقي ليس الذي يجعلك تركض خلف سرابٍ لا ينتهي، ولا الذي يجعلك تخشى كل صباح أن تفقد من تحب، وإنما الحب الذي يمنح روحك سكينةً، ويجعل وجودك في حياة الآخر نعمةً لا عبئًا، ورحمةً لا معركةً، ووطنًا لا منفى.





                               تليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة