صراع العقل والعاطفة ....1

 إنه بسم الله الرحمن الرحيم وبعد:





«إن تربية العقل دون تربية القلب ليست تربية على الإطلاق.»
— أرسطو (تُنسب إليه هذه العبارة على نطاق واسع، لكن نسبتها الحرفية محل نقاش. والأدق أنها تعبر عن روح فلسفته في الأخلاق والتربية.)

مقدمة

منذ أن بدأ الإنسان يتأمل نفسه، أدرك أنه يعيش بين قوتين لا تنفصلان عنه: قوة تدعوه إلى التفكير، وأخرى تدفعه إلى الإحساس. فالعقل يسأل عن الأسباب والنتائج، ويزن الأمور بميزان المنطق، بينما تنبض العاطفة بالحب والخوف، والفرح والحزن، والرجاء والحنين.

ولطالما صُوِّر هذان الجانبان وكأنهما خصمان في معركة لا تنتهي؛ فإذا انتصر العقل خمدت المشاعر، وإذا غلبت العاطفة غاب الرشد. غير أن التجربة الإنسانية تكشف أن هذا التصوير، على شيوعه، لا يعكس الحقيقة كاملة.

فالإنسان لا يستطيع أن يعيش بعقل مجرد من الإحساس، كما لا يستطيع أن يحيا بعاطفة لا يضبطها التفكير. ولو فقد أحد الجانبين، لاختل توازنه الداخلي، ولأصبحت قراراته إما باردة تخلو من الرحمة، أو مندفعة تفتقر إلى الحكمة.

ولذلك، لم يكن السؤال الذي شغل الفلاسفة: أيهما أفضل، العقل أم العاطفة؟ بل كان: كيف يستطيع الإنسان أن يحقق الانسجام بينهما؟

العقل... النور الذي يكشف الطريق

منذ الفلسفة اليونانية القديمة، احتل العقل مكانة مركزية في فهم الإنسان والعالم. فقد رأى أفلاطون أن النفس الإنسانية تضم قوى متعددة، وأن العقل ينبغي أن يتولى قيادتها حتى يسود الانسجام، كما يقود قائد حكيم سفينة وسط بحر متقلب.

ولم يكن المقصود بذلك إلغاء العواطف، وإنما منعها من السيطرة على القرارات عندما تكون مندفعة أو مضطربة. فالغضب، على سبيل المثال، قد يكون شعورًا طبيعيًا، لكنه إذا أصبح قائدًا للسلوك، دفع الإنسان إلى كلمات أو أفعال يندم عليها بعد زوال انفعاله.

إن العقل يمنح الإنسان نعمة التروي، فيجعله ينظر إلى ما وراء اللحظة العابرة، ويقارن بين المكاسب القريبة والنتائج البعيدة، ويختار ما يراه أصلح، لا ما يبدو أكثر إغراءً.

ولهذا كان التفكير، في نظر كثير من الفلاسفة، ليس ترفًا ذهنيًا، بل وسيلة لحماية الإنسان من الوقوع أسيرًا لأهوائه أو لأحكامه المتسرعة.

العاطفة... اللغة الأولى للإنسان

إذا كان العقل يضيء الطريق، فإن العاطفة تمنحه الدفء والمعنى. فالإنسان لا يحب بعقله وحده، ولا يحزن بمنطقه، ولا يشعر بالرحمة من خلال الحسابات المجردة.

إن أول ما يتعلمه الطفل قبل أن يفهم الكلمات هو الإحساس بالأمان، والحنان، والمحبة. وهذه الحقيقة تكشف أن العاطفة ليست عنصرًا ثانويًا في تكوين الإنسان، بل هي من اللبنات الأولى لشخصيته.

ولهذا لا ينبغي النظر إلى المشاعر على أنها ضعف ينبغي التخلص منه، بل على أنها طاقة تحتاج إلى توجيه. فالتعاطف يدفع إلى مساعدة المحتاج، والمحبة تبني الأسرة، والوفاء يحفظ الصداقة، والحياء يصون الكرامة.

غير أن العاطفة، مثل الماء، إذا بقيت في مجراها أنبتت الحياة، وإذا فاضت بلا ضابط قد تهدم ما حولها.

ولهذا، فإن الحكمة لا تكمن في إخماد المشاعر، وإنما في تهذيبها، حتى تصبح قوة للبناء، لا سببًا للاضطراب.

لماذا يفشل العقل أحيانًا أمام العاطفة؟

يعرف كثير من الناس، في قرارة أنفسهم، أن قرارًا معينًا ليس في مصلحتهم، ومع ذلك يقدمون عليه. ويعلمون أن كلمة قاسية ستؤذي من يحبون، لكنهم ينطقون بها في لحظة غضب، ثم يندمون حين تهدأ النفوس.

هذا التناقض ليس دليلًا على غياب العقل، بل على أن الإنسان ليس كائنًا منطقيًا صرفًا. فهو يحمل في داخله ذكريات، ورغبات، ومخاوف، وآمالًا، وكلها تؤثر في أحكامه بطرق قد لا يلاحظها.

ولهذا لم يكن الفلاسفة ينصحون الإنسان بإلغاء مشاعره، بل بتأجيل قراراته في لحظات الانفعال الشديد، لأن العقل يحتاج إلى قدر من السكون حتى يؤدي وظيفته على الوجه الصحيح.

وقد أدرك الرواقيون، وفي مقدمتهم ماركوس أوريليوس، أن السيطرة على النفس لا تعني القضاء على المشاعر، وإنما تعني ألا تتحول المشاعر العابرة إلى سيدٍ يتحكم في مصير الإنسان.

فالهدوء ليس برودًا، كما أن الانفعال ليس دليلًا على الصدق. وإنما تكمن الحكمة في أن يمنح الإنسان كل شعور حقه، دون أن يسمح له بأن يستولي على زمام قراراته.



                                                 تــليد..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة